أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

27

شرح مقامات الحريري

فأدّته أداء صالحا . ثم غنّت أصواتا فيها من صنعتي : [ مجزوء الخفيف ] الطّلول الدوارس * فارقتها الأوانس أوحشت بعد أنسها * فهي قفر بسابس فكان أمرها فيه أصلح من الأوّل ، ثم غنّت من صنعتي في شعري : [ الخفيف ] قل لمن صدّ عاتبا * ونأى عنك جانبا قد بلغت الّذي أرد * ت وإن كنت لاعبا واعترفنا بما ادّعي * ت وإن كنت كاذبا فكان أصلح ممّا غنته ، فاستعدته منها لأصحّحه . فأقبل عليّ أحد الرجلين ، فقال : ما رأيت طفيليّا أصفق وجها منك ، لم ترض بالتّطفيل حتى اقترحت ! وهذا تصديق المثل ، « طفيلي وقد يقترح » ، فلم أجبه . وكفّه صاحبه عني ، فلم ينكفّ ، ثم قاموا للصّلاة فأخذت عود الجارية ، وأصلحته إصلاحا محكما . وعدت إلى موضعي ، فصلّيت ، ثم عادوا ، فعاد ذلك الرجل في عربدته عليّ ، وأنا صامت ، فأخذت الجارية عودها ، وجسّته ، فقالت : من جسّ عودي ؟ فقالوا : ما جسّه أحد ، فقالت : واللّه لقد جسّه حاذق متقدّم ، وشدّ طبقته ، فقلت لها : أنا أصلحته ، فقالت : باللّه عليك خذه ، واضرب به ، فأخذته منها وضربت مبدأ طريق عجيب صعب ، فيه نقرات محكمة ، فما بقي منهم أحد إلا وثب ، وجلس بين يدي ، وقالوا : باللّه يا سيدي ، تغنّي ؟ قلت : نعم ، وأعرّفكم بنفسي أنا إسحاقي الموصليّ ، واللّه إني لآتيه على الخليفة وأنتم تشتمونني منذ اليوم لأني تملّحت معكم بسبب هذه الجارية ! وو اللّه لا نطقت بحرف ولا جلست معكم ، أو تخرجوا هذا المعربد الغثّ ، ونهضت لأخرج . فتعلّقوا بي وتعلّقت الجارية بي ، فقلت : واللّه لا أجلس إلا أن يخرج ؛ فقال له صاحبه : من شبه هذا حذرت عليك ، فأخرجوه ، فغنّيت الأصوات الّتي غنّتها الجارية من صنعتي ؛ فطرب صاحب البيت طربا شديدا ، وقال لي : هل لك في أمر أعرضه عليك ؟ فقلت : ما هو ؟ فقال : تقيم عندي شهرا ، والجارية مع ما عليها لك ، فقلت : أفعل ، فأقمت عنده ثلاثين يوما لا يعرف أحد أين أنا ، والمأمون يطلبني . فجئت بذلك منزلي بعد شهر ، وركبت إلى المأمون ، فقال لي : يا إسحاق ، ويحك ! أين تكون ؟ فعرّفته الخبر فقال : عليّ بالرجل الساعة ، فعرّفتهم موضعه فأحضره ، وقال : أنت رجل ذو مروءة وسبيلك أن تعاون عليها ، فأمر له بمائة ألف درهم ، ونهاه ألّا يعاشر ذلك المعربد النّذل ، وأمر لي بخمسين ألفا ، وقال : أحضر لي الجارية ، فأحضرتها فغنته ، فقال : قد جعلت لها نوبة في كلّ يوم ثلاثاء ؛ تغنّي مع الجواري ، وأمر لها بخمسين ألف درهم . فربحت واللّه تلك الرّكبة وأربحت . وتشبه هذه الحكاية حكاية إبراهيم بن المهدي ، إذ شفع للمأمون في طفيليّ قد