أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
263
شرح مقامات الحريري
بالجمع المقدّم ذكره ، كقولك : صيارفة وصياقلة ، فينصرف هذا الجمع عند التحاق الهاء به ، لأنها قد أصارته إلى أمثال الآحاد ، نحو : رفاهية وكراهية فخفّ بهذا السبب وصرف لهذه العلة . وقد كني في هذه الأحجية عمّا لا ينصرف بالمعتقل ، كما كني في التي قبلها عمّا لا ينصرف باللازم . وأما السين التي تعزل العامل من غير أن تجامل ، فهي التي تدخل على الفعل المستقبل وتفصل بينه وبين أن ، التي كانت قبل دخولها من أدوات النصب ، فيرتفع حينئذ الفعل وتنتقل أن عن كونها الناصبة للفعل إلى أن تصير المخففة من الثقيلة ، وذلك كقوله تعالى : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى [ المزمل : 20 ] ، وتقديره : علم أنه سيكون . وأما المنصوب على الظرف الذي لا يخفضه سوى حرف ، فهو : « عند » إذ لا يجرّه غير « من » خاصة ، وقول العامة : ذهبت إلى عنده لحن . وأما المضاف الذي أخلّ من عرى الإضافة بعروة ، واختلف حكمه بين سماء وغدوة ، فهو « لدن » ولدن من الأسماء الملازمة للإضافة ، وكلّ ما يأتي بعدها مجرور بها إلّا غدوة ، فإن العرب نصبتها بلدن لكثرة استعمالهم إياها في الكلام ، ثم نوّنتها أيضا ليتبيّن بذلك أنّها منصوبة ، لا أنّها من نوع المجرورات التي لا تنصرف ، وعند بعض النحويين أن « لدن » بمعنى « عند » ، والصحيح أنّ بينهما فرقا لطيفا ، وهو أنّ « عند » يشتمل معناها على ما هو في ملكك ومكنتك ، ممّا دنا منك وبعد عنك ولدن يختصّ معناها بما حضرك وقرب منك . وأما العامل الذي يتصل آخره بأوله ، ويعمل معكوسه مثل عمله ، فهو : « يا » ، ومعكوسها « أي » ، وكلتاهما من حروف النداء ، وعملهما في الاسم المنادى سيّان ، وإن كانت « يا » أجول في الكلام ، وأكثر في الاستعمال . وقد اختار بعضهم أن ينادي بأي ، القريب فقط كالهمزة . وأما العامل الذي نائبه أرحب منه وكرا ، وأعظم مكرا ، وأكثر للّه تعالى ذكرا ، فهو باء القسم ؛ وهذه الباء هي أصل حروف القسم بدلالة استعمالها مع ظهور فعل القسم في قولك : أقسم باللّه ، ولدخولها أيضا على المضمر ، كقولك : بك لأفعلنّ ؛ وإنما أبدلت الواو منها في القسم لأنهما جميعا من حروف الشفة ؛ ثم لتقارب معنييهما ؛ لأنّ الواو تفيد الجمع والباء تفيد الإلصاق ، وكلاهما متّفق ، والمعنيان متقاربان . ثم صارت الواو المبدلة من الباء أدور في الكلام وأعلق بالأقسام ؛ ولهذا ألغز بأنها أكثر للّه تعالى ذكرا . ثم إن الواو أكثر موطنا من الباء ، لأن الباء لا تدخل إلا على الاسم ، ولا تعمل غير الجرّ ، والواو تدخل على الاسم والفعل والحرف . وتجرّ تارة بالقسم وتارة بإضمار ربّ . وتنتظم أيضا نواصب الفعل وأدوات العطف فلهذا وصفها برحب الوكر وعظم المكر .