أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
261
شرح مقامات الحريري
فافسخ شهادته عليك بخضبة * تنفي الظنون بها عن المرتاب فإذا دنا وقت الرحيل فخلّه * والشّيب يذهب فيه كلّ ذهاب وقوله : والشيب ضيف له التوقير ، قام وكيع لسفيان فنكر قيامه إليه فقال : أتنكر عليّ قيامي إليك ، وأنت حدّثتني عن عمرو بن دينار ، عن أنس بن مالك رضي اللّه عنهم : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّ من إجلال اللّه عزّ وجلّ إجلال ذي الشيبة المسلم » . قال : فأخذ سفيان بيده ، فأقعده إلى جانبه . وعن أنس رضي اللّه تعالى عنه ، قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أكرم شابّ شيخا لسنّه إلا قيّض اللّه تعالى له من يكرمه عند كبر سنه » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أوحى إليّ ربي يقول : الشيب على عبدي المؤمن نور من نوري ، وأنا أكرم من أن أحرق نوري بناري » . وحدث محمد بن مسلم الخوّاص الرجل الصالح . قال : رأيت يحيى بن أكثم القاضي في المنام ، فقلت له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : أوقفني بين يديه ، وقال : يا شيخ السوء ، لولا شيبتك لأحرقتك بالنار ، فأخذني ما يأخذ العبد بين يدي مولاه ، فلما أفقت قالها ثانية وثالثة ، فلما أفقت قلت : يا ربّ ، ما هكذا حدّثت عنك ، فقال تعالى : وما حدّثت عني ؟ قلت : حدثني عبد الرزاق ، قال : حدثني معمر بن راشد ، عن ابن شهاب الزّهري ، عن أنس بن مالك ، عن نبيّك محمد صلّى اللّه عليه وسلم عن جبريل ، عنك يا عظيم ؛ أنك قلت : ما شاب لي عبد في الإسلام شيبة إلا استحييت منه أن أعذبه بالنار ، فقال اللّه عزّ وجلّ : صدق عبد الرزاق وصدق معمر ، وصدق الزّهري وصدق أنس وصدق نبيّي وصدق جبريل ، أنا قلت ذلك ، انطلقوا به إلى الجنة . * * * تفسير ما أودع هذه المقامة من النكت العربية والأحاجي النحوية أما صدر البيت الأخير من الأغنية الذي هو : « فإن وصلا ألذّ به » ؛ فإنه نظير قولهم : المرء مجزيّ بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشرّ ، وهذه المسألة أودعها سيبويه كتابه وجوّز في إعرابها أربعة أوجه : أحدها - وهو أجودها - أن تنصب : « خيرا » الأول وترفع الثاني . وتنصب : « شرّا » الأول وترفع الثاني ، ويكون تقديره : إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير ، وإن كان عمله شرّا فجزاؤه شرّ ، فتنصب الأوّل على أنه خبر كان ، وترفع الثاني على أنه خبر مبتدأ محذوف . وقد حذفت في هذا الوجه « كان » واسمها لدلالة حرف الشّرط الذي هو « إن » على تقديرهما . وحذف أيضا المبتدأ لدلالة الفاء التي هي جواب الشرط عليه ؛ لأنه كثيرا ما يقع بعدها .