أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

231

شرح مقامات الحريري

فبالت ، فبني على الموضع برج يسمى برج العصا - وأشرفت الزباء من قصرها تنظر إلى جذيمة ، وهو يساق ، فقالت : ما أحسنك من عروس يزف إليّ ! فدخلوا به إليها ، وحولها ألف وصيفة ، لا تشبه واحدة صاحبتها في خلق ولا زيّ ، وهي بينهنّ كالقمر حفت به النجوم ، فأمرت بالأنطاع فبسطت ، وقالت للوصائف : خذن بيد سيدكنّ وبعل مولاتكنّ ، فأجلسنه على الأنطاع ، ففعلن به ذلك ، ثم كشفت له عن شعرتها ، فرأى شعرها قد طال حتى عقدته من وراء ظهرها ، فقالت له : يا جذيمة أشوار ذات عروس ؟ قال : بل شوار بظراء تفلة ، وأمر غدر قد بلغ المدى ، فقالت : واللّه ما ذاك من عدم المواس ، ولكنها شيمة أناس . ثم أمرت به فسقي بالخمر حتى أخذت فيه ، وكانت الملوك لا تضرب أعناقها إلّا في الحرب ، ثم أمرت أن تقطع رواهشه « 1 » ، وقالت : تحفّظن بدمه ، لأنه إن قطرت من دمه قطرة في غير الطشت طلب بدمه ، فجرى دمه في طشت ذهب ، فلما ضعفت يداه سقطتا ، فقطرت على النّطع من دمه قطرات ، فقالت : لا تضيّعوا دم الملوك ، فقال لها « لا يحزنك دم ضيّعه أهله » ، فذهبت مثلا ، فقالت : إن دماء الملوك شفاء من الكلب ، وو اللّه ما وفّي دمك ولا شفي قتلك ، ثم أمرت به فدفن . وكان عمرو بن عدي يخرج كلّ يوم لبعض الحيرة ، يستطلع أمر خاله ، فنظر يوما إلى فارس قد أقبل ، فأشرف عليه قصير ، فقال له : ما وراءك ؟ فقال له : سعى القدر بالملك إلى حتفه ، فاطلب بثأره ، فقال عمرو : وأيّ ثأر يطلب من الزّباء ، وهي أمنع من عقاب الجوّ ! فقال قصير : واللّه لا أنام عن طلب دمه ما لاح نجم ، فاجدع أنفي واضرب ظهري ، ودعني وإياها . فقال عمرو : ما أنت لذلك بأهل ، وقد علمت نصحك لخالي . فقال : خلّ عني إذا ، فجدع أنفه ولحق بالزباء ، فقالت : ما جاء بك ؟ فأشار بظهره وأنفه - فقالت العرب : « لأمر ما جدع قصير أنفه ! » فقالت : يا قصير ، بيننا دم خطير ، فقال : يا ابنة الملوك العظام لا ثأر ولا قود ، ولقد أتيت فيه على ما يأتي مثلك في مثله ، وقد جئتك مستجيرا بك من عمرو فإنه علم أني أشرت على خاله بالمجيء إليك ، فجدع أنفي وأذني ، وأوجع ظهري ، وحال بيني وبين مالي وولدي ، فاستجرت بك لعلمي أنّي لا أكون مع أحد أثقل عليه منك ، فقالت له : أهلا وسهلا - وكان يبلغها من رأيه وحزمه - فاحتصّته وأنزلته واصطفته ، فلما وثقت به ، أخذت تستشيره في أمورها . فقال لها يوما : إن عمرا يطلبك بخاله ، والرأي أن تتخذي نفقا لعلك تحتاجين إليه ، فقالت له : إنّي قد اتخذته تحت سريري ، وخرجت به تحت سرير أختي - وكان الفرات يشق بين قصيريهما - فأظهر لها السرور ، ثم قال لها : إنّ لي بالعراق أموالا كثيرة تصلح بالملوك فإن جهزتني بمال للتجارة ، توصلت فيه إلى أخذ تلك الذخائر وننقلها إليك ، فجهّزته . فاحتال حتى

--> ( 1 ) الرواهش : عروق ظاهر الكف .