أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
225
شرح مقامات الحريري
المقامة الرابعة والعشرون النّحويّة حكى الحارث بن همام قال : عاشرت بقطيعة الرّبيع ، في إبّان الرّبيع ، فتية وجوههم أبلج من أنواره ، وأخلاقهم أبهج من أزهاره ، وألفاظهم أرقّ من نسيم أسحاره . فاجتليت منهم ما يزري على الرّبيع الزّاهر ، ويغني عن رنّات المزاهر ؛ وكنّا تقاسمنا على حفظ الوداد ، وحظر الاستبداد ، وألّا يتفرّد أحدنا بالتذاذ ، ولا يستأثر ولو برذاذ . فأجمعنا في يوم سما دجنه ، ونما حسنه ، وحكم بالاصطباح مزنه ، على أن نلتهي بالخروج ، إلى بعض المروج ؛ لنسرّح النّواظر ، في الرّياض النّواضر ، ونصقل الخواطر ، بشيم المواطر ؛ فبرزنا ونحن كالشّهور عدّه ؛ وكنّا كندمانى جذيمة مودّة . * * * عاشرت : صاحبت . قطيعة الربيع : بلد معروف ، والربيع حاجب المنصور ومولاه ، وهو [ والد ] الفضل ابن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد اللّه بن أبي فروة ، وكان أقطعه المنصور بلدا بالعراق فبناه ، وبنى الناس معه ، حتى صار فيه عمارات كثيرة ، وهي محلّة قريبة من كوخ بغداد في أعلى غربية بغداد ، فنسبت إلى الربيع . إبّان : وقت . فصل الرّبيع : النّوار . أبلج : أحسن لونا وأنعم . أنواره : أزهاره ، ونوّر النبات وأنور صار فيه النّور ، وأبهج : أحسن لونا ، والبهجة : حسن اللون ونسيم السّحر ريحه اللينة الباردة ، وفي حديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه تعالى للجنّة كلّ يوم : طيبي لأهلك فتزداد طيبا » ، فذلك البرد الذي تجده الناس بسحر ذلك اليوم . وقال ابن عمّار في نسيم السّحر على الرياض فأحسن : [ الطويل ] ويوم لنا بالسّدّ بين معاطف * من النّهر تنساب انسياب الأراقم بحيث اتخذنا الروض جارا تزورنا * هداياه في أيدي الرّياح النّواسم