أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
200
شرح مقامات الحريري
والكفّ طول كثير ، فكنى عن طول القامة بغير لفظه الخاص به ، وأبدع ما في التتبيع قول امرئ القيس : [ الطويل ] * نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضّل « 1 » * فدلّ على ترفهها ، وأن لها من يكفيها المئونة باللفظ التابع لذلك . التبليغ وسمّاه قوم الإيغال ، وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما قبل انتهائه إلى القافية ، ثم يبلغ القافية بزيادة مفيدة تزيد معنى البيت براعة . قيل للأصمعيّ رحمه اللّه تعالى : من أشعر الناس ؟ قال : من يأتي إلى اللفظ الخسيس فيجعله بلفظ حسنا أو ينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى ، مثل قول ذي الرّمة : [ الطويل ] أظن الذي يجدي عليك سؤالها * دموعا كتبديد الجمان المفصّل « 2 » فتم كلامه ، ثم احتاج إلى القافية فقال : المفصّل فزاد شيئا . ومن التبليغ قول امرئ القيس : [ الطويل ] كأنّ عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب « 3 » فقد أتى على التشبيه قبل القافية ، وزاد بقوله : « الذي لم يثقّب » بلوغا إلى الغاية القصوى في الجودة ، وكذلك قوله : [ الطويل ] إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفه * تقول هزيز الريح مرّت بأثأب « 4 » فمرّت بأثأب زيادة على التشبيه التام ، والأثأب شجر يكون للريح في أغصانه حفيف شديد ، فأفادت الزيادة في التشبيه معنى بديعا . وقال زهير : [ الطويل ] كأنّ فتات العهن في كل منزل * نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم « 5 »
--> ( 1 ) صدره : وتضحي فتيت المسك فوق فراشها والبيت لامرئ القيس في ديوانه ص 17 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 575 ، ولسان العرب ( عنن ) ، وتاج العروس ( فضل ) ، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص 513 ، ورصف المباني ص 367 . ( 2 ) البيت في ديوان ذي الرمة ص 501 ، وفيه « كتبذير » بدل « كتبدير » . ( 3 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 53 ، ولسان العرب ( جزع ) ، وأساس البلاغة ( جزع ) ، وكتاب العين 1 / 216 ، وتاج العروس ( جزع ) . ( 4 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 49 ، وشرح التصريح 1 / 262 ، ولسان العرب ( هزز ) ، والمقاصد النحوية 2 / 431 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 5 / 220 ، وأوضح المسالك 2 / 71 . ( 5 ) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 12 ، ولسان العرب ( فتت ) ، ( فنى ) ، والمقاصد النحوية 3 / 194 ، وبلا نسبة في شرح الأشموني 1 / 159 .