أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
197
شرح مقامات الحريري
قال الحاتميّ : فانظر إلى ديباجة هذا الكلام ، ما أصفاها ، وإلى تقسيماته ما أوفاها ، وانظر إلى قوله : مفيتا مفيدا ، ووصفها إياه بالشمس بالنهار والهلال بالليل ، تجد المطيع الممتنع القريب البعيد . التتميم هو أن يذكر الشاعر معنى فلا يترك شيئا يتم ويتكامل الإحسان معه فيه إلا أتى به ، وأحسن ما قيل في ذلك قول طرفة : [ الكامل ] فسقى ديارك غير مفسدها * صوب الرّبيع وديمة تهمي « 1 » فقد تم الإحسان في المعنى الذي ذهب إليه بقوله : « غير مفسدها » ويتلوه قول خليفة بن نافع العنزي : [ الطويل ] رجال إذا لم يقبل الحق منهم * ويعطوه عادوا بالسّيوف القواطع فالمعنى تم بقوله « ويعطوه » ، ولولاه كان ناقصا . وقال حبيب : [ الكامل ] حتّى لقد ظنّ الغواة وباطل * أنى تجسّم فيّ روح السّيّد « 2 » فتمّ الإحسان في المعنى الذي أراد بقوله : « وباطل » ، والسيد الحميري له في الشيعية مذهب رديء ، والغواة هنا القائلون بالتناسخ . يقول : لإفراط حبهم في أهل البيت ، توهّم الغواة أن روح السّيد تجسم فيّ ، وتوهّمهم باطل . الترديد هو تعليق الشاعر لفظة في البيت بمعنى ، ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها بمعنى آخر ، وأكثر ما يستعمله المحدثون ، وأجمعوا أن أباحيّة النميريّ سبق إلى الإحسان جميع من تقدّمه وتأخّر عنه في قوله : [ الطويل ] ألا حيّ من أجل الحبيب المغانيا * لبسن البلى ممّا لبسن اللّياليا « 3 » إذا ما انقضى للمرء يوم وليلة * تقاضاه شيء لا يملّ التقاضيا ابتدأ بالمصراع الأول فأحسن الابتداء ، وردّد في المصراع الثاني فأحسن في
--> ( 1 ) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص 88 ، وتخليص الشواهد ص 231 ، والدرر 4 / 9 ، ومعاهد التنصيص 1 / 362 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( همي ) ، وهمع الهوامع 1 / 241 . ( 2 ) البيت في ديوان أبي تمام ص 114 . ( 3 ) يروى صدر البيت الثاني : إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة وهو بلا نسبة في لسان العرب ( قضى ) ، وتاج العروس ( قضى ) .