أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
171
شرح مقامات الحريري
فالتفت الوالي إلى الغلام وقال : تبّا لك من خرّيج مارق ، وتلميذ سارق ! فقال الفتى : برئت من الأدب وبنيه ، ولحقت بمن يناويه ، ويقوّض مبانيه ؛ إن كانت أبياته نمت إلى علمي ، قبل أن ألّفت نظمي ؛ وإنما اتّفق توارد الخاطر ، كما قد يقع الحافر على الحافر . * * * قوله : أقدم أي تقدم . لؤمه في الجزاء : يريد أنه جازاه على ما فعل معه من الخير مجازاة لئيم ، فسرق شعره . السداسية الأجزاء ، لأن عروضها من الكامل ، وأجزاؤها متفاعلن ست مرات . الرّزء : المصاب . فلذ : قطع . أرعني سمعك : أي اسمع مني . ذرعك : بالك وقلبك . أصلت : جرد سيفه . تتصعّد : تتطلع إلى فوق . الخرّيج : الذي خرّجه معلمه ، وفلان خرّيجك ، أي الذي خرج بتهذيبك وتعليمك . مارق : خارج عن الطاعة . وتلميذ : طالب متعلم . برئت : زلت وانفصلت . يناويه : يعاديه . يقوّض : يهدم . نمت : اتصلت . ونميت الحديث : أسندته . ألّفت نظمي : جمعت شعري . توارد الخواطر : تواطؤ الأذهان ، أي وقع لذهن الفتى من الكلام ما وقع لذهن الشيخ ، مثل الحافر الذي وقع على الحافر . وهذا الكلام يعزى لأبي الطيب المتنبي ، وسئل عن اتفاقات الخواطر ، فقال : الشعر ميدان ، والشعراء فرسان ، فربّما اتفق توارد الخواطر ، كما قد يقع الحافر على الحافر . قال الأصمعي رحمه اللّه تعالى : قلت عمرو بن العلاء : أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق أحدهما صاحبه ، ولا سمع شعره ؟ فقال لي : تلك عقول رجال توافقت على ألسنتها . [ توارد الخواطر ] ومن مشهور ذلك ما وقع في القصيدتين البائيتين لامرئ القيس وعلقمة ، وكذلك اتفاقه مع طرفة في قوله : [ الطويل ] وقوفا بها صحبي على مطيّهم * يقولون لا تهلك أسى وتجلّد « 1 » وقال امرؤ القيس وتجمّل « 2 » .
--> ( 1 ) البيت في ديوان طرفة بن العبد ص 30 . ( 2 ) أي قول امرئ القيس : وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم * يقولون لا تهلك أسى وتجمّل والبيت من الطويل ، وهو في ديوان امرئ القيس ص 9 ، وبلا نسبة في رصف المباني ص 268 .