أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
166
شرح مقامات الحريري
قلبت له ظهر المجنّ وأولغت * فيه المدى ونزت لأخذ الثّار فاربأ بعمرك أن يمرّ مضيّعا * فيها سدى من غير ما استظهار واقطع علائق حبّها وطلابها * تلق الهدى ورفاهة الأسرار وأرقب إذا ما سالمت من كيدها * حرب العدا وتوثّب القدّار واعلم بأنّ خطوبها تفجا ولو * طال المدى وونت سرى الأقدار * * * قوله : « والذي جعل الشعر ديوان العرب » ، أي كتابا تدوّن فيه أخبارهم ، قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « إن هذا الشعر جزل من كلام العرب به يعطى السائل ويكظم الغيظ وبه يؤتى القوم في ناديهم » . وعنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ من الشعر لحكمة » « 1 » رواه ابن عمر رضي اللّه عنه قال : تعلّموا الشعر فإن فيه محاسن تبتغى ومساوي تتّقى . وحكمة للحكماء ويدلّ على مكارم الأخلاق . قوله : « يا خاطب الدنيا الدنية » ، أي التي لا خير فيها ، شرك : مصائد . الردى : الهلاك . قرارة : موضع يستقرّ فيه الماء . الأكدار : ما يتكدر به الماء الصافي . أظلّ : دنا وقرب . ينتقع : يرتوي . صدى : عطش . جهامه : سحابه الذي لا ماء فيه . الغرّار : الخدّاع . تنقضي : تنقطع وتتم ، أراد أن الدنيا تهلك من فيها ، فكنى بالأسير عن ذلك وأسير الموت لا يفدى . الجلائل : جمع جليلة وهي الشيء الرفيع ، وتقدمت الأخطار . مزده : معجب . غرورها : خداعها . متمردا : متجاوزا الحد في الفساد . المجنّ : التّرس . أولغت : جعلتها تلغ الدم . المدى ، جمع مدية : السكين . نزت : وثبت عليه . الثأر : طلب الدم ، وأراد أنها لما بسطت الأرزاق للإنسان فأعجب بها ، وركب رأسه في الفساد تحوّلت عليه ، وسقت سكّينها من دمه ، والعرب تقول : قلبت له ظهر المجنّ ، أي غيّرت له حالي ، وهو مثل يضرب للمحاربة بعد المسالمة ، وأصله في الحرب ، لأن الرجل إذا صالح صاحبه جعل بطن مجنّه مما يلي صاحبه المصالح ، فإذا حاربه قلب له ظهره للقتال . ومن جواب رسالة المهلب إلى الحجاج : وزعمت أني إن لم ألقهم في موضع كذا أسرعت إلى صدر الرمح ، فلو فعلت لقلبت إليك ظهر المجن ، ثم إذا كانت الواقعة ، فهذا يبيّن ما ذكرناه . اربأ بعمرك ، أي ارفع عنها نفسك واحتفظ فيها بعمرك ، وتقول : ربأت القوم أي صرت لهم ربيئة ، وهو الحارس لهم ، والمربأ : الموضع المشرف الذي يقعد فيه الناظر ،
--> ( 1 ) روي بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الأدب باب 90 ، والترمذي في الأدب باب 69 ، وابن ماجة في الأدب باب 41 ، والدارمي في الاستئذان باب 68 ، وأحمد في المسند 1 / 269 ، 273 ، 303 ، 309 ، 313 ، 327 ، 332 ، 3 / 456 ، 5 / 125 .