أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

144

شرح مقامات الحريري

قلت : فما نزع بك إلى هنا ؟ قال : ابن عم لي كان عاملا على ناحية فخرجت إليه فلقيته معزولا ، فخرجت إلى بعض النواحي اضطرب في المعاش ، قلت : أليس قد ذكرت أنك حائك ! قال : أنا أحوك الكلام ، ولست بحائك الثياب . فلما بلغنا الأهواز أمرت الحجام فأحفي من شعره ، وأدخل الحمام ، فكسوته من ثيابي ، وكلمت الرخّجي فيه في الأهواز فأعطاه خمسة آلاف درهم ، ورجع معي . فقال لي المعتصم : ما كان من خبرك في طريقك ؟ فأخبرته خبري ، ثم خبر الرجل ، فقال : هذا لا يستغنى عنه ، فلأيّ شيء يصلح ؟ قلت : هو واللّه يا أمير المؤمنين أعلم الناس بالمساحة والهندسة ، فولّاه البناء ، فكنت ألقاه في الموكب النّبيل فينزل عن دابته فأمنعه ، فيقول : يا سبحان اللّه ! إنما هذه نعمتك ، وبك أفدتها . ومثل إيهامه هنا أنه حائك إيهام أبي زيد في التاسعة أنه نظام . * * * قال الحارث بن همام : فلمّا أمتع الأسماع ، بما راق وراع ، استنسبناه فاستراب ، وأبى الانتساب ، ولو وجد منسابا لأنساب . فحصلت من لبسه على غمّة ؛ حتّى ادّكرت بعد أمّة . فقلت : والّذي سخّر الفلك الدّوّار ، والفلك السّيّار ، إنّي لأجد ريح أبي زيد ، وإن كنت أعهده ذا رواء وأيد . فتبسّم ضاحكا من قولي ، وقال : أنا هو على استحالة حالي وحولي ؛ فقلت لأصحابي : هذا الّذي لا يفرى فريّه ، ولا يبارى عبقريّه . فخطبوا منه الودّ ، ويذلوا له الوجد ؛ فرغب عن الألفة ، ولم يرغب في التّحفة ، وقال : أمّا بعد إن سحقتم حقّي ، لأجل سحقي ، وكسفتم بالي ، لإخلاق سربالي ، فما أراكم إلّا بالعين السّخينة ، ولا لكم منّي إلا صحبة السفينة . * * * قوله : « أمتع الأسماع » أي متّع الآذان ولذّذها ، ومنه يقال في الكتابة : أبقاك اللّه وأمتع بك ، ومعناه : أطال اللّه عمره ، من الماتع وهو الطويل عند العرب ، ومنه متع النهار ، أي علا ، وقال الأنصاريّ . [ الكامل ] واها لأيام الصّبا وزمانه * لو كان أمتع بالمقام قليلا ! ونبلاء الكتاب يكتبون بها إلى الأتباع والأدنياء ، ولا يكتبون بها إلى الأكفاء والأعلون . * * *