أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

126

شرح مقامات الحريري

قال : ونزلنا قريب الظهر على نهر منسرب من الفرات ، ورحلنا من ذلك الموقع ، وبتنا ليلة الأحد سلخ محرّم بقرية من الحلّة ، ثم جئناها يوم الأحد وهي مدينة عتيقة الموضع ، مستطيلة متّصلة بالفرات من جانبها الشرقي ، وهي على شاطئه ، ويمتد بطولها . ولها أسواق حفيلة جامعة للمرافق ، قوية العمارة وديارها بين حدائق النخيل ، وألفينا بها جسرا معقودا على مراكب كبار متصلة من الشطّ إلى الشطّ ، أمر الأمير بعقدها اهتماما بالحاجّ ، فعبرناها ، ونزلنا على الفرات على فرسخ من البلد ، والطريق من الحلّة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها في بسائط وعمائر تتصل بها القرى يمينا وشمالا ، ويشق هذه البسائط أغصان من [ ماء ] الفرات تسقيها ، فللعين في هذه الطريق مسرح انشراح ، وللنفس مزاد انبساط وانفساح . ومن مدينة الحلّة يتسلسل الحاجّ أرسالا وأفواجا ، لا يعرج المتأخر على المتقدم ، فحيثما شاءوا نزلوا ، ومن جملة الدواعي لافتراقهم كثرة القناطر المعترضة في طريقهم إلى بغداد لا تكاد تمشي ميلا إلا ونجد قنطرة على نهر متفرّع عن الفرات ، فلو زاحم ذلك البشر تلك القناطر دفعة ، لتراكموا وقوعا بعضا على بعض . فرحلنا من الحلّة ضحوة يوم الاثنين أوّل يوم من صفر ، ونزلنا بعصره بقرية تعرف بالقنطرة ، كثيرة الخصب ، كبيرة المساحة ، متدفقة فيها جداول الماء ، وارفة الظلال بشجرات الفواكه ، من أحسن القرى وأجملها ، بها قنطرة محدودة تصعد إليها وتنحدر عنها على فرع من فروع الفرات ، فعرفت القرية بها . ثم رحلنا عنها بسحر الثلاثاء ، ونزلنا ضحوة بالفراش ؛ قرية كثيرة العمارة يشقها الماء وحولها بسيط أخضر جميل المنظر ، والقرى من الحلّة إلى بغداد على صفة الفراش في الحسن والاتساع . ثم رحلنا منها ونزلنا عشيّ النهار بزريران ، وهي قرية من أجمل قرى الأرض وأحسنها منظرا ، وأفسحها ساحة وأوسعها اختطاطا ، وأكثرها بساتين ورياحين وحدائق من نخيل ، ولها سوق تقصر عنه أسواق المدن . وحسبك من شرفها أن دجلة تسقي شرقيّها والفرات يسقي غربيّها ، وهي كالعروس بينهما . ومن شرفها أن بإزائها إيوان كسرى ، وهو بناء عال في الهواء على مقدار الميل منها وأمامها بيسير مدائنه . واجتزنا سحرا على المدائن ، فعاينّا من طولها واتباعها مرأى عجيبا . ونزلنا قافلين بصرصر ، وهي أخت زريران حسنا ، يمرّ بجانبها القبلي نهر متفرع من الفرات وهي من القرى التي تملأ النفوس حسنا وجمالا ، لها أسواق حفيلة ، وجامع وجسر معقود على مراكب من الشطّ إلى الشطّ وهي من بغداد على ثلاثة فراسخ ، ورحلنا منها قبل الظهر ؛ وجئنا بغداد قبل العصر ، على بساتين وبسائط يقصر الوصف عنها ، فمن