أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

122

شرح مقامات الحريري

وابغ رضا اللّه ، فأغبى الورى * من أسخط المولى وأرضى العبيد ثم إنه ودّع أخدانه ، وانطلق يسحب أردانه . فطلبناه من بعد بالرّيّ ، واستنشرنا خبره من مدارج الطيّ ؛ فما فينا من عرف قراره ، ولا درى أيّ الجراد عاره . * * * [ عمرو بن عبيد الزاهد ] قوله : « ولا عمرو بن عبيد » ، هو الزاهد الذي كان يسكن بالبصرة ويجالس الحسن البصري ؛ حتى حفظ عنه شيئا كثيرا من علومه ، واشتهر فضله بصحبته ، وكان له سمت وإظهار زهد . ورآه الحسن يوما فقال : هذا سيد شباب أهل البصرة إن لم يحدّث . ثم اعتزله ونهى عنه ، فقال بالعزل ودعا إليه ، وترك مذهب أهل السنة ، واعتزل الحسن البصريّ ، ونسبت إليه المعتزلة . فأما قيامه الذي ذكره فهو دخوله على المنصور في جماعة من أهل العلم ، فاستشارهم في أمر ، فكلهم أشار عليه بمراده إلا عمرا فإنه لم يصحبهم ونصحه ، فقال : يا أمير المؤمنين إنّ هذا الأمر لو كان باقيا لأحد قبلك لما وصلك ، أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ [ الفجر : 7 ] ، قال : فبكى المنصور حتى بلّ ثوبه ، فقال الربيع : يا عمرو ، غممت أمير المؤمنين ، فقال عمرو : إن هذا - يعني الربيع - صحبك عشرين سنة ، ما نصحك يوما واحدا ، وما عمل وزراؤك بشيء من كتاب اللّه تعالى . فقال له المنصور : فما ذا أصنع ؟ هذا خاتمي في يدك ، فخذه أنت وأصحابك ، فاكفوني فقال عمرو : ادعنا بعدلك تسمح أنفسنا بعونك ، ببابك ألف مظلمة ، أردد منها واحدة حتى نعلم أنك صادق . ويروى أنه قال له المنصور : أعنّي بأصحابك ، فقال : ارفع علم الحقّ يتبعك أهله . ثم قال له المنصور : ما حاجتك يا أبا عثمان ؟ فقال له : تأمر برفع هذا الطيلسان عني ، فرفع . وكان أمر المنصور أن يطرح عليه عند دخوله . فقال له : لا تدع إتياننا ، قال : نعم ، لا يضمّني وإياك بلد إلا أتيتك ، وإن بدت لي حاجة إليك سألتك ، ولكن لا تعطني حتى أسألك ، ولا تدعني حتى آتيك ، قال : إذا لا تأتينا أبدا ، فلما ولّوا للخروج ، أتبعهم المنصور بصره ، ثم قال : [ مجزوء الرمل ] كلّكم يمشي رويد * كلكم حابل صيد * غير عمرو بن عبيد * وكان جدّه باب من سبي فارس ، وكان أبوه عبيد بن باب نسّاجا ، ثم تحوّل فصار للحجّاج شرطيّا بالبصرة . وكان فظّا غليظا خسيسا ، وبلغه أن الناس إذا رأوا ابنه قالوا : هذا خير الناس ، ابن شرّ الناس ، فقال : صدقوا ، أنا كآزر وابني كإبراهيم . وقال إسحاق بن الفضل : بينما أنا واقف إلى جنب عمارة بن حمزة بباب المنصور ، إذ