أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

8

شرح مقامات الحريري

علمه ، والأسّ الذي يبنى عليه كلمه ، والرّوح الذي يخبّ في ميدان الطّروس قلمه ؛ ولذلك كان أولى ما تقترحه القرائح ، وأعلى ما تجنح إليه الجوانح ؛ فذوو الأخطار في سائر الأقطار يتنافسون في اقتنائه ، ويتصافنون في عافي إنائه « 1 » ، ويرتاحون لأوضاعه وتآليفه ، ويستريحون إلى أعبائه المكدودة وتكاليفه ، فإنه زمام المنظوم والمنثور ، وقوام نطق الألسنة وفكر الصدور ، ومنشط المقال من عقال الفهاهة ، ومميز الأقدار بالمهابة والنباهة . ولم يزل في كل عصر من حملته بدر طالع ، وزهر غصن يانع ، وعلم ترنو إليه أبصار وتومئ إليه أصابع ، وصناعة البراعة بينهم تتمكن وتتأصل ، وتنويع البديع ينضبط ويتحصل ، والآخر يكدّ ذهنه في تتميم ما غادره الأول ؛ إلى أن اعتدلت كفتاه ، وامتلأت ضفتاه ، وراق مجتلاه ومجتباه ، وتناهى في الحسن والإحسان لفظه ومعناه . وكان آخر البلغاء وخاتمة الأدباء ، أولهم بالاستحقاق ، وأولاهم بسمة السباق ، والفذ الذي قد عقمت عن توأمة فتية العراق ، وفارس ميدان البراعة ، ومالك زمام القرطاس واليراعة ، والملبي عند استدعاء درر الفقر بالسمع والطاعة ، أبو محمد القاسم ابن علي الحريريّ - سقى اللّه ثراه صوب رحماه ، وكافأ إحسانه في الثناء عليه بحسناه - فبسط لسان الإحسان ، ومدّ أفنان الافتنان ، ومهّد جادة الإجادة ، وقوي مادة الإفادة ، ولم يبق في البلاغة متعقّبا ، ولا للرّيادة مترقبا ، لا سيما في المقامات التي ابتدعها ، والحكايات التي نوعها وفرعها ، والملح التي وشحها بدرر الفقر ورصّعها ؛ فإنه برز فيها سابقا ، وبزّ البلغاء فائقا ، وأتى بالمعنى الدقيق واللفظ الرقيق مطابقا ، وخلّدها تاجا على هامة الأدب وتقصارا « 2 » في جيد لغة العرب ، وروضة تحوم أنفاس الهمم عليها ، ولا تصل أيدي المطامع إليها . ولما كانت من البراعة بهذا المحل الشهير ، وسارت مسير النّيّرين بين مشاهير الجماهير ؛ جعلت الاعتناء بها سهم فهمي ، والعكوف عليها تحرز عزمي ، والدّءوب في حفظ لغاتها وفك مخبّآتها أهم همّي ، وصيّرت تحفّظها فرض عيني ، والفكر الذي لا يحول وسني بينه وبيني ، فبدأت بروايتها عن الشيوخ والثقات ، وتقييد ألفاظها عن أعلام هذه الجهات ؛ حتى لا أنقل لفظا إلا عن تحقيق ، ولا أثبت ضبطا إلا من طريق . فكان أول من أخذت عنه روايتها ، وتلقيت منه درايتها ، ببلدي ، الشيخ الفقيه المقرئ أبو بكر بن أزهر الحجري ، حدثني بها عن صهره الفقيه المحدّث الراوية أبي القاسم بن عبد ربه القيسي المعروف بابن جهور ، عن منشئها أبي محمد الحريريّ .

--> ( 1 ) الصّفن - بالضم : كالركوة يتوضأ فيها ، وخريطة لطعام الراعي ، وتصافنوا الماء : اقتسموه بالحصص ( القاموس المحيط : صفن ) . ( 2 ) التقصار والتقصارة ، بكسرهما : القلادة جمعه تقاصير .