أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
63
شرح مقامات الحريري
[ النمل : 20 ] ، قال : فما كنيتك ؟ فقال : أبو الكوكب الدرّيّ ، قال : كمل الرجل . وكان صلى اللّه عليه وسلم يأخذ من لحيته من طولها وعرضها بالسواء « 1 » . وكان عبد اللّه بن عمر يقبض على لحيته ، ويأخذ ما زاد منها على قبضته . الحسن بن المثنى : إذا رأيت رجلا له لحية طويلة ، ولم يتخذ لحية بين لحيتين ، كان في عقله شيء . وكان المأمون جالسا مع ندمائه ببغداد ، مشرفا على دجلة وهم يتذاكرون أخبار الناس ، فقال المأمون : ما طالت لحية إنسان قط إلا ونقص من عقله بمقدار ما طال من لحيته ، وما رأيت عاقلا قطّ طويل اللحية . فقال له بعض جلسائه ، ولا يردّ على أمير المؤمنين : قد يكون في طول اللحى أيضا عقل ؛ فبينما هم يتذاكرون في هذا ، إذ أقبل رجل كبير اللحية ، حسن الهيئة ، فاخر الثياب ، فقال المأمون : ما تقولون في هذا الرجل ؟ فقال بعضهم : رجل عاقل ، وقال آخر : يجب أن يكون هذا قاضيا ، فقال المأمون لبعض الخدم : عليّ بالرجل ، فلم يلبث أن أصعد إليه ووقف بين يديه ، فسلّم فأجاد السّلام ، فأجلسه المأمون ، واستنطقه فأحسن النطق ، فقال المأمون : ما اسمك ؟ فقال : علّوية ، قال : فما الكنية ؟ قال : أبو حمدويه ، فضحك المأمون ، وغمز جلساءه ثم قال : ما صنعتك ؟ قال : فقيه أجيد الشرع في المسائل ، فقال له : نسألك مسألة ! فقال الرجل : سل عما بدا لك ، فقال له المأمون : ما تقول في رجل اشترى شاة من رجل ، فلما تسلّمها المشتري ، وقضى الثمن ، ضرطت ، فخرج من استها بعرة ففقأت عين رجل ؛ على من تجب دية العين ؟ قال : فنكت بإصبعه في الأرض طويلا ، ثمّ قال : تجب على البائع دون المشتري ، فقال المأمون : وما العلّة التي أوجبت الدية عليه دون المشتري ؟ قال : إنه لمّا باعها لم يشترط أنّ في استها منجنيقا ، قال : فضحك المأمون حتى استلقى على قفاه ، وضحك كلّ من حضره من الندماء . وأنشد المأمون يقول : [ السريع ] ما أحد طالت له لحية * فزادت اللّحية في حليته إلا وما ينقص من عقله * أكثر مما زاد في لحيته وقال آخر : [ المتقارب ] إذا عظمت للفتى لحية * فطالت فصارت إلى سرّته فنقصان عقل الفتى عندنا * بمقدار ما زاد في لحيته وأنشد أبو عليّ : [ مجزوء الكامل ]
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الأدب باب 17 ، بلفظ : « كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يأخذه من لحيته من عرضها وطولها » .