أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

43

شرح مقامات الحريري

عجبت للإنسان في فخره * وهو غدا في قبره يقبر « 1 » ما بال من أوّله نطفة * وجيفة آخره يفخر ! أصبح لا يملك تقديم ما * يرجو ولا تأخير ما يحذر * * * تبارز بمعصيتك ، مالك ناصيتك ، وتجترئ بقبح سيرتك على عالم سريرتك ، وتتوارى عن قريبك ، وأنت بمرأى رقيبك ، وتستخفي من مملوكك ، وما تخفى خافية على مليكك أتظنّ أن ستنفعك حالك إذا آذن ارتحالك ! أو ينقذك مالك ، حين توبقك أعمالك ! أو يغني عنك ندمك ، إذا زلّت قدمك ! أو يعطف عليك معشرك ، يوم يضمك محشرك ! * * * قوله : « تبارز » أي تكاشف وتقابل ، والبارز : الظاهر المنكشف ، والناصية : شعر مقدم الرأس . تجترئ : تقدم وشجع . والجريء : الشجاع المقدام . سيرتك : عادتك ، وجمعها سير وهي ما يعامل به الناس من خير أو شرّ ، وتقول : سرت سيرة من خير أو شرّ ، إذا أحدثتها فعمل بها الناس بعدك ، فصارت عادة لهم ولذلك فسرّنا السيرة بالعادة حيث وقعت ، وأصل السيرة هيئة فعل السّير ، وذلك أنك تقول : جلس فلان جلسة بالفتح ، وهي المرة الواحدة من جلوسه ، فإذا كسرت الجيم فهي هيئة جلوسه ، ومثله ركب ركبة والرّكبة هيئة ركوبه ، وتقول : سار هذا الفعل سيرة ، والسّيرة بالكسر : هيئة سيره في الناس من حسن أو قبح أو صواب أو خطأ ، وسيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هيئة أفعاله حيث كانت . تتوارى : تستتر بمرأى من رقيبك ، أي بمنظر ربّك أو بحيث يراك ، ورقيب الشيء : حافظه وحارسه . ومليكك : مالكك ، وأراد أنّ الإنسان إذا خلا بريبة ، استتر بها عن أخيه وعبده حياء منهما ، ولا يستحي من ربّه الذي يطّلع على معاصيه ، ولا يخفى عليه خافية ، وأشار إلى قوله تعالى : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ . . . [ النساء : 108 ] ، وقال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه : [ البسيط ] إن كنت تعلم أن اللّه يا عمر * يرى ويسمع ما يأتي وما تذر وأنت في غفلة من ذاك تركب ما * نهاك عنه ، فأين الخوف والحذر ! تجاهر اللّه إقداما عليه ، ومن * حثالة النّاس تستحيي وتعتذر وقال نابغة بني شيبان : [ الخفيف ]

--> ( 1 ) الأبيات في ديوان أبي العتاهية 103 .