أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
4
شرح مقامات الحريري
قال : واجتمع عندي عشية ذلك اليوم جماعة من فضلاء البصرة وعلمائها فحكيت لهم ما شاهدته من ذلك السائل وسمعت من لطافة عبارته في تحصيل مراده ، وظرافة إشارته في تسهيل إيراده ، فحكى كل واحد من جلسائه أنه شاهد من هذا السائل في مسجده مثل ما شاهدت ، وأنه سمع منه في معنى آخر فصلا أحسن مما سمعت ، وكان يغيّر في كل مسجد زيّه وشكله ، ويظهر في فنون الحيلة فضله ، فتعجبوا من جريانه في ميدانه ، وتصرفه في تلوّنه وإحسانه ، فأنشأت المقامة الحرامية ثم بنيت عليها سائر المقامات ، وكانت أول شيء صنعته . قال المؤلف : وذكر ابن الجوزي في تاريخه مثل هذه الحكاية ، وزاد فيها أن الحريري عرض المقامة الحرامية على أنوشروان بن خالد وزير السلطان فاستحسنها وأمره أن يضيف إليها ما يشاكلها ، فأتمها خمسين مقامة . وقد اشتملت مقامات الحريري على فوائد جمة عدّدها هو بقوله في تقديمه : وأنشأت على ما أعانيه من قريحة جامدة وفطنة خالدة وروية ناضبة وهموم ناصبة ، خمسين مقامة تحتوي على جد القول وهزله ورقيق لفظه وجزله ، وغرر البيان ودرره وملح الأدب ونوادره إلى ما وشحتها به من الآيات ومحاسن الكنايات ، ورصعته فيها من الأمثال العربية واللطائف الأدبية والأحاجي النحوية والفتاوى اللغوية والرسائل المبتكرة والخطب المحبّرة ، والمواعظ المبكية والأضاحيك الملهية ، مما أمليت جميعه على لسان أبي زيد السروجي وأسندت روايته إلى الحارث بن همام البصري ، وما قصدت بالإحماض فيه إلا تنشيط قارئيه وتكثير سواد طالبيه ، ولم أودعه من الأشعار الأجنبية إلا بيتين فذين أسست عليهما بنية المقامة الحلوانية ، وآخرين توأمين ضمنتهما خواتم المقامة الكرجية ، ما عدا ذلك فخاطري أبو عذره ومقتضب حلوه ومرّه . شرح المقامات لقد حظيت مقامات الحريري بكمّ كبير من الشروحات والتعليقات ، أحصى منها صاحب كشف الظنون حاجي خليفة أكثر من خمسة وثلاثين شرحا ، ويعود كثرة الشروحات إلى ما زخرت به المقامات من الألفاظ ، والأمثال ، والأحاجي والألغاز والنكت النحوية والبلاغية ، مما جعلها ميدانا رحبا للشرح والتفسير والاستطراد . ويعتبر هذا الشرح الذي بين أيدينا من أهم الشروحات وأغزرها ، وقد وضعه العلامة أحمد ابن عبد المؤمن القيسي المعروف بالشريشي الذي يقول : لم أدع كتابا ألّف في شرح ألفاظها وإيضاح أغراضها إلا وعيته نظرا ، وتحققته معتبرا ومختبرا وترددت في تفهمه وردا وصدرا ، وعكفت على استيفائه بسيطا كان أو مختصرا ، ولم أترك في كتاب منها فائدة إلا استخرجتها ولا نكتة إلا علقتها ولا غريبة إلا استلحقتها فاجتمع من ذلك حفظا وخطا أعلاق جمة ، وفوائد لم تهتم بها قبله همة ، ثم لم أقنع بتدوين الدواوين ، ولا اقتصرت على توقيف التصانيف ، حتى لقيت بها صدور الأمصار وعلماء الأعصار . وقد قام الشارح بالتعريف بالبلدان والأمصار المذكورة في المقامات ، ثم شرح غريب