أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

35

شرح مقامات الحريري

وراء الحجر فيقول الحجر : يا عبد اللّه ، يا مسلم هذا يهوديّ ورائي فاقتله » « 1 » . قالوا خرج أسد وذئب وثعلب يتصيدون ، فاصطادوا حمار وحش وغزالا وأرنبا فقال الأسد للذئب : اقسم بيننا هذا ، فقال : الحمار للملك ، والغزال لي ، والأرنب للثعلب ؛ فرفع الأسد يده فضربه ضربة ، فإذا هو مجدّل بين يديه . ثم قال : للثعلب : اقسمها ، فقال : الحمار يتغذّى به الملك ، والغزال يتعشى به ، والأرنب بين ذلك ، فقال الأسد : ويحك ما أقضاك ! من علّمك هذا القضاء ؟ قال : رأس هذا الذئب . وحدّث الشعبيّ ، قال : صاد رجل قبّرة ، فقالت : ما تريد أن تصنع بي ؟ قال : أذبحك وآكلك . فقالت : واللّه ما أشبع من جوع وخير لك من أكلي أن أعلّمك ثلاث خصال : واحدة وأنا في يدك ، والثانية وأنا على الشجرة ، والثالثة وأنا على الجبل ؛ قال : هاتي : قالت : لا تلهفنّ على ما فات ، فخلى سبيلها ، فلما صارت على الشجرة قالت : لا تصدّقن بما لا يكون أنه سيكون ، فلما صارت على الجبل قالت له : يا شقيّ لو ذبحتني أخرجت من حوصلتي درتين ، كل واحدة عشرون مثقالا ، قال : فعض الرجل على شفته تلهّفا ، ثم قال : هاتي الثالثة ، فقالت : أنت قد نسيت ثنتين فكيف أخبرك بالثالثة ! ألم أقل لك : لا تلهفنّ على ما فات ، ولا تصدقن بما لا يكون أنه سيكون ! أنا ولحمي ودمي وريشي لا يكون فيّ عشرون مثقالا ، فكيف يكون في حوصلتي درّتان كلّ واحدة عشرون مثقالا ! ثم طارت وذهبت . وأمثال هذه الملح أكثر من أن تحصى . * * * ولم يسمع بمن نبا سمعه عن تلك الحكايات ، أو أثّم رواتها في وقت من الأوقات . ثمّ إذا كانت الأعمال بالنّيات ، وبها انعقاد العقود الدّينيّات ، فأيّ حرج على من أنشأ ملحا للتّنبيه ، لا للتّمويه ، ونحا بها منحى التّهذيب ، لا الأكاذيب ! وهل هو في ذلك إلّا بمنزلة من انتدب لتعليم ، أو هدى إلى صراط مستقيم ! [ الطويل ] على أنّني راض بأن أحمل الهوى * وأخلص منه ، لا عليّ ولا ليا قوله : « نبا سمعه » أي ارتفع ، وأصله في السّيف إذا ارتفع فلم يمض في الضربة . أثّم : جعلهم أصحاب إثم ، انعقاد العقود ، أي ارتباط العقائد . حرج : إثم ، وأصل التحريج التضييق ، للتنبيه ، أي لينبّه به الغافل الذهن فيجعله حاضر الخاطر ، نحا منحى : قصد مقصد . التهذيب : التلخيص ، وهذبت الطالب : أخرجته وخلّصته ، ورجل مهذّب :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 94 ، ومسلم في الفتن حديث 2239 ، وأحمد في المسند 2 / 417 ، 530 .