أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

29

شرح مقامات الحريري

وللمتأخرين شعر كثير في تفضيلهم أنفسهم على المتقدمين ؛ من أحسنه قول المعريّ : [ الخفيف ] وإنّي وإن كنت الأخير زمانه * لات بما لم تستطعه الأوائل وقال ابن عمار : [ الطويل ] أنا ابن عمار لا أخفى على أحد * إلا على جاهل بالشمس والقمر إن كان أخّرني دهري فلا عجب * فوائد الكتب يستلحقن في الطّرر والذي ذكر أبو العباس في الكامل هو الحق ، قال : وليس لقدم العهد يفضل القائل ، ولا لحداثة العهد يهضم المصيب ، ولكن يعطى كلّ ما يستحقّ [ الحمام ] وأمّا بيت عديّ في الحمام فالحمام قد ذكر العرب لها في أشعارها ، ونلمّ هنا بفصل منها ؛ يروى عن علي رضي اللّه عنه أنه اشتكى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوحشة فقال له : « اتّخذ حمامة تؤنسك وتصيب من فراخها وتوقظك للصلاة بتغريدها » « 1 » . ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اتخذوا الحمام فإنها تلهي الجن عن صبيانكم » « 2 » . وروى جابر رضي اللّه عنه أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يعجبه النظر إلى الحمام الأحمر وإلى الأترجّ . وكان إبراهيم بن سيّار يعجب بالحمام ، وكان إذا ذكرها يقول : إن اللّه جمع فيها حسن المنظر ، وكريم المخبر ؛ تكفيك مئونتها ، وتكثر لديك معونتها ؛ فهي للطارق عدّة وللمستوطن لذة ، تطعم في الصحراء ، وتعود عليك بالسراء ويأنس الوحيد بحركاتها ، وتغنيه عن الأوتار بنغماتها ؛ وغيرها من الطير يستعجم وهي ناطقة ، وينفر عنك وهي داجنة ، وفي طباعها سكون إلى الناس واستئناس بهم ، وهي طير عفيف ، يبقي الذكر بعد الأنثى مفردا ، والأنثى مثل ذلك ، مع شدة اتفاقهما على المحبة ، إن طارا طارا معا ، وإن وقعا وقعا معا ، لها سرعة طيران لا تكاد تصيدها سباع الطير إلا بحيلة . ولم تزل العرب تستحسن تسجيع الحمام وتغريد البلبل والورشان ، وقد ذكرت العرب من رقة تسجيعه ما يبعث التذكر ، ويولد الشجون ، ويهيج الأسى ، ويجدد رقة القلب ؛ حتى يجعل البكاء فرضا معها ، والتصابي لازما لأجلها وأعراب وادي القرى إذا ظفروا بشراب الطائف ، أتوا حوائط النخل عند استعلاء الظهيرة ، إذا صارت الوراشين

--> ( 1 ) لم أجد الحديث بهذا اللفظ ولا المعنى في كتب الصحاح . ( 2 ) أخرجه الطبراني في الجامع الصغير 1 / 9 ، بلفظ : « اتخذوا هذه الحمام المقاصيص » .