أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
122
شرح مقامات الحريري
قوله : « غدت » ، أي بكرت . استقلال : ارتفاع وقيام . والركاب : الإبل واحدتها ، راحلة . ولا اغتداء الغراب ، أي ولا مثل اغتدائه ؛ فحذف « مثل » المنصوبة بلا ، وأقام « اغتداء » مقامها لأن « لا » لا تنصب المعارف ، وأراد أن اغتدائي كان قبل أن يغتدي الغراب ، والغراب أكثر الطير بكورا ، وهذا وما شابهه في هذا الكتاب مثل قوله : « ولا كيد فرعون موسى » ، « ولا انهلال السحب » ، « ولا عمرو بن عبيد » ، إذا طلبت حقيقة معناه صار المشبّه أقوى من المشبه به ، ولم يأت هذا إلا عن العرب ، تقول العرب : « فتى ولا كمالك » فيريدون مالكا أفضل من الفتى ، ومثله « مرعى ولا كالسّعدان » أي أن المرعى فاضل في طيبه ، ولكن السعدان أفضل منه ، ومثله : « ماء ولا كصدّاء » ، فصدّاء أفضل من ذلك الماء على طيبه ، فهذا مذهب العرب في ذكر « لا » بين المشبّهين . وأما قول الحريري : « غدوت ولا اغتداء الغراب » ، فيريد أن غدوّي أبكر من اغتداء الغراب ، وكذلك « ولا انهلال السّحب » ، وهو يريد أنّ جودهم فوق جود السحاب ، لأن كلام العرب : فلأن أبكر من الغراب ، وأجود من السحاب ، ولا يقولون السحاب أجود من فلان ، ولا الغراب أبكر من فلان ، ولا فائدة في ذلك ، فإذا حققت لفظه « ولا » في تشبيه الحريريّ على ما يجب لها في كلام العرب انقلب المعنى ، وإنما اللفظ من كلام عامّة العراق ، فاستعملها لأنها عندهم متعارفة وليس بعربية ، ومثل هذا قد جوّزه المولدون في أشعارهم ، وجاء منه في مقامات البديع كثير . ويستعمل أهل فاسّ في مغربنا لفظة « ولا » في تشبيهاتهم كثيرا جدّا على حدّ استعمال الحريريّ لها ، ولا يستعملها أهل الأندلس . وقال الفنجديهيّ : الرفع في قوله : « ولا اغتداء الغراب » ، أكثر مبالغة في التشبيه من النصب . قوله : « أستقرئ » ، أي أتتبع . صوب : جهة وناحية الليليّ : الذي سمع بالليل أتوسّم ، أتعرّف وأنظر سمتها . الجليّ : البيّن . لمحت : رأيت . بردان رثّان : ثوبان خلقان . نجيّا ليلتي ، أي المتحدّثان فيها ، وجعلهما متحدثين مع الليلة مجازا لما أوقعا الحديث فيها ، كقوله تعالى : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ سبأ : 33 ] ولا يمكران إنما يمكر فيهما ، فنسب ذلك المكر إليهما . صاحبا روايتي . أي اللذان أروى عنهما هذه القصة . * * * فقصدتهما قصد كلف بدماثتهما ، راث ، لرثاثتهما ، وأبحتهما التّحوّل إلى رحلي ، والتّحكم في كثري وقلّي ، وطفقت أسيّر بين السّيّارة فضلهما ، وأهزّ الأعواد المثمرة لهما ، إلى أن غمرا بالنّحلان ، واتّخذا من الخلّان . وكنّا بمعرّس نتبيّن منه بنيان القرى ، ونتنور نيران القرى .