أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

102

شرح مقامات الحريري

ابن خالد في حاجة رجل ، فقال له : عده عنّي قضاءها ، فقال منصور بن زياد : وما يدعوك إلى العدة مع القدرة ! فقال : هذا قول من لا يعرف موقع الصنائع من القلوب ، إنّ الحاجة إذا لم يتقدّمها وعد ينتظر به نجحها ، لم تتحدّث النفس بسرورها ؛ إنّ الوعد مطعم والإنجاز طعام ، وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته وتطعّمه ثم طعمه ، فدع الحاجة تختمر بالوعد ، ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ولطف محلّ . قال ابن الكلبيّ لهشام بن عبد الملك : يا أمير المؤمنين ، لا تصنع إليّ معروفا حتى تعدني به ، فإنه لم يأتني منك سيب على غير وعد إلّا هان عليّ قدره ، وقلّ منّي شكره ، فقال له : لم قلت ذلك ، وقد قال سيّد قومك أبو مسلم الخولانيّ : إنّ أنجح المعروف في القلوب ، وأبرده على الأكباد معروف غير منتظر بوعد لا يكدّره مطل . ووعد المهديّ عيسى بن دأب جارية ثم وهبها له ، فأنشده عبد اللّه بن مصعب الزّبيريّ [ قول مضرّس الأسديّ ] [ الطويل ] ولا تيأسن من صالح أن تناله * وإن كان قدما بين أيد تبادره فقال : يدفع لعبد اللّه جارية أخرى ، فقال الزّبيريّ : وأنجز خير الناس من قبل وعده * أراحك من مطل ومن طول كدّه فقال له عيسى بن دأب : ما صنعت شيئا ! هلّا قلت : [ الرجز ] حلاوة الفضل بوعد ينجز * لا خير في العرف كنهب ينهز فقال المهديّ : [ مجزوء الكامل ] الوعد أحسن ما يكو * ن إذا تقدّمه ضمان وقال بعض البلغاء : دع الوعد يركض ثلاثا ، فإن كثير العطاء قبل الوعد قليل ، وجليله حقير . وقال يحيى بن خالد : من لم يبت مسرورا بوعد ، لم يجد للصنيعة مطعما وفيه يقول أبو قابوس النّصرانيّ : [ البسيط ] رأيت يحيى أتمّ اللّه نعمته * عليه يأتي الذي لم يأته أحد ينسى الّذي كان من معروفه أبدا * إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد وقال الحارثيّ : [ الطويل ] وما روضة داريّة أسديّة * منمنمة زهراء ذات ثرى صعد بأحسن من حرّ تضمّن حاجة * لحرّ ، فأوفى بالنّجاح مع الوعد وقال ابن رشيق : [ السريع ]