ابن الجوزي
269
شذور العقود في تاريخ العهود
فقال : ما عزمت إلا على ما قد يئست منه ، فهات الأموال التي تفك رقبتك . قال : قل ما شئت . قال : أريد عشرة [ آلاف ] « 1 » ألف دينار . فقال : والله إنك تستحق ملك الروم إذ وهبت لي نفسي ، ولكن قد أنفقت من أموال الروم أحد عشر ألف ألف دينار منذ وليت عليهم في تجريد الحروب ، ولولا هذا ما استكثرت شيئا تقترحه . فاستقر الأمر على ألف ألف وخمسمائة ألف دينار ، وفي الهدنة على ثلاثمائة وستين ألف دينار كل سنة ، ثم قال : إذا كنت قد مننت علي فعجّل تسريحي قبل أن تنصب الروم ملكا غيري ، ولا يمكنني أن أفي بشيء مما بذلته . فقال السلطان : أريد أن تعيد أنطاكية والرها ومنبج ؛ فإنها أخذت من المسلمين عن [ قريب ] « 2 » ، وتطلق أسارى المسلمين . فقال : إذا رجعت إلى ملكي ؛ فأنفذ إلى كل موضع منها عسكرا وحاصرها ؛ لأتوصل إلى تسليمها فأما [ أني ] « 3 » أبتدئ بذلك فإنه لا يقبل مني ، والأسارى فأنا أطلقهم . فتقدم السلطان بأن عقدت له راية عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فرفعها على رأسه وشيعه نحو فرسخ . قال المؤلف لهذا الكتاب : وهذا الفتح في الإسلام لم يكن له نظير ، فإن القوم اجتمعوا ليزيلوا الإسلام ، وقالوا : لا بدّ أن نشتيّ بالرّيّ ، ونصيّف بالعراق ، ونأخذ في عودنا بلاد الشام ، وكان ملك الروم قد حدثته نفسه بالمسير إلى السلطان ، [ ق 25 / أ ] وأقطع البطارقة البلاد الإسلامية حتى قال لمن أقطعه بغداد : لا تتعرض لذلك الشيخ الصالح فإنه صديقنا ، يعني : الخليفة . وفي هذه السنة توفي أبو بكر الخطيب « 4 » .
--> ( 1 ) في ( أ ) : ( الألف ) . ( 2 ) ما بين المعكوفتين في ( م ) : ( قرب ) . ( 3 ) ما بين المعكوفتين في ( م ) : ( أن ) . ( 4 ) هو أبو بكر ، أحمد بن علي بن ثابت ، العلامة حافظ وقته ، المعروف بالخطيب البغدادي ، صاحب التصانيف . انظر : المنتظم ، لابن الجوزي : 16 / 129 ، ترجمة -