إحسان عباس ( اعداد )
80
شذرات من كتب مفقودة في التاريخ
الدين نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق رضيّ أمير المؤمنين ، رضي اللّه عنه ، في ظاهر نهاوند وهو سائر إلى العراق ، قتله إنسان ديلمي غيلة ، بعد الفطر ليلة الجمعة حادي عشر منه ، وكان مولده في ذي القعدة من سنة ثمان وأربعمائة ، وبقي في الأمر وزيرا وناظرا ومشرفا نحو خمسين سنة ، وبلغ في الوزارة ما لم يبلغه أحد من وزراء الدولتين ، وكان يضرب له الطبل والقصاع ثلاث صلوات حضرا وسفرا ، وهو الذي بنى الدولة السلجوقية وأسّس قواعدها ، وتفتحت الدنيا على يديه ، وكان صدوق اللسان جيد الرأي كبير النفس حليما وقورا يصلّي بالليل ويصوم في أكثر الأوقات ، وهو أول وزير بنى المدارس في البلاد ، وأجرى على المدرسين والمتفقهة والأدباء والشعراء وأهل البيوتات والرؤساء ، ولم ينظر قطّ إلى ظهر محروم ، وما قصده أحد في أمر إلا ناله أو معظمه ، فأما الحرمان فلا . ولم يبق عليه من عظيم الملك غير ما فعله وبناه وخلّد به ذكره في العالم وفاق به على جميع من تقدم ، رضي اللّه عنه وأرضاه وأحسن له الجزاء ، فلقد وصلني في سبع سفرات بألف وأربعمائة دينار من ماله غير الثياب والنزل والإقامة ، وأجرى عليّ من بيت المال سبعمائة دينار وعشرين دينارا في كلّ سنة ، وولّاني قضاء الرحبة والرقة وحران وسروج وحلب وأعمال ذلك كله ، وخاطبني بالقاضي السديد العالم بحر العلماء عين القضاة في مكاتبته ، فأحسن اللّه له عني الجزاء . وكان يكرم العلماء على اختلاف مذاهبهم ، وله فضل وكرم وبصيرة بالرجال ، قريب من القلوب ، لا يتشاغل إلّا بتلاوة القرآن وسماع حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومناظرة الفقهاء بين يديه . وتقدّم في زمانه من لم يكن متقدما من الرجال ، وتأخّر من كان متقدما ، واسترجع الممالك كلّها وقبضها إلى السلطان . وهو أول من أقطع البلاد والضياع للعساكر والأجناد . وكان يرعى لأهل البيوتات بيوتهم وللعلماء علمهم وللشعراء شعرهم وللأدباء أدبهم وللأشراف شرفهم ، وكان أمر الدولة في الزيادة إلى أن شاركه في الرأي غيره وداخل السلطان سواه ، فهلكت الدولة ولم يبق السلطان بعده ، إلا نيف وثلاثون يوما ، رضي اللّه عنه .