إحسان عباس ( اعداد )

44

شذرات من كتب مفقودة في التاريخ

العلاء هذا من تنّاء مدينة أذنة وأحد وجوهها ويظهر حبّ الصالحين ويداخل أهل حصن أولاس ومن يجري مجراهم ، فوشى به إلى بني عبد الباقي من أفسد حاله معهم ، واقتضت الصورة أن ينحاز عن أذنة إلى طرسوس لأنها كانت ملجأ كلّ طريد وعصمة كلّ شريد ، وكان ذا لسان وحال ، فحدث زبرج الثملي من يأنس به أن ابن العلاء هذا سأله مرارا ورغب إليه أن يجعل إفطاره عنده وأنه لما أكثر عليه استحيى منه فأجابه ، فقدم له طعاما عهد زبرج بمأكل مثله بعيد ، فنال منه زيادة على العادة من قوته وما وظفه على نفسه وجاء إلى منزله فقام إلى ورده فلم يطق القيام لغلبة النوم عليه ، فنام ورأى في منامه رجلا أسود قد تناول عصا أطول ما يكون يضرب بها زبرجا ولا يقلع عنه ويكرر عليه ، قال زبرج : فقلت يا هذا كم تضربني ، ولأي ذنب تضربني ؟ قال : الساعة أقول لك ، فما زال ينتبه من منامه وتغلبه عينه ويعود الأسود لضربه ، ويسأله زبرج عن ذنبه ليتنصل منها ويعتذر إليه ، فلما بلغ فيه غاية ما يكره وكدّه وتعسّفه بالضرب المبرّح ، قال له : يا زبرج أتأكل طعام ابن العلاء ؟ هذا الضرب لذلك . قال فقلت : فإني لا أعود ، قال : إن عدت عدنا . فأصبح كئيبا مهموما ، واجتاز بابن أبي العلاء « 1 » لأنه على مدرجة طريقه وقد استحكم طمعه فيه ، فعاوده يسأل أن يفطر عنده ، فأبى ، وعاوده وسأله ورغب إليه وقبّل بين عينيه ويديه ورجليه فقال : يا هذا ما يمكن بعدها أن أذوق لك طعاما ، فضيق عليه موضع الاعتذار ، فحدثه بما رأى في منامه ، ففارقه ولم يعد لمثلها . وخرج زبرج عن طرسوس ، وخواصّ الناس ينظرون إليه نظرهم إلى أبي الخير صاحب التينات أو أفضل ، لأن زبرجا من القراء المجاهدين ، وحصل ببيت المقدس يشار إليه ومات بها رحمة اللّه عليه [ قال ابن العديم : أظن أن زبرجا خرج من طرسوس إلى بيت المقدس لما استولى نقفور على طرسوس في شعبان سنة 354 واللّه أعلم ] . - 8 - « 8 » وقد صلّى بأهل هذا المسجد أئمة من أهل العفاف والستر ، واليقين والتقوى

--> ( 1 ) كذا في الأصل . ( 8 ) - بغية الطلب 9 : 239 .