إحسان عباس ( اعداد )
202
شذرات من كتب مفقودة في التاريخ
- 47 - « 47 » نصر بن فتيان بن مطهر النهرواني أبو الفتح المعروف بابن المني : رحلت إليه فوجدت مسجده بالفقهاء والقراء معمورا ، وكلّ فقيه عنده من فضله وإفضاله مغمورا ، فأنخت راحلتي بربعه ، وحططت زاملة بغيتي على شرعه ، فوجدت الفضل الغزير والدين القويم المنير ، والفخر المستطير ، والعالم الخبير ، فتلقاني بصدر بالأنوار قد شرح ، ومنطق بالأذكار قد ذكر ومدح ، وبباب إلى كلّ باب من الخيرات قد شرع وفتح ، فتح اللّه عليه . حفظ القرآن العظيم وهو في حداثة من سنه ، ولاحت عليه أعلام المشيخة ، فرجح منه على كلّ فنّ بفضل اللّه ومنّه . قال لي المهذب بن قيداس : كنا نسمي شيخك شيخ صبي - يعني في صباه - لعقله ووقاره وتركه للعب ، ثم قال : لم ينقل عنه أنه لعب ولا لها ، ولا طرق باب طرب ، ولا مشى إلى لذة ومشتهى . حدثني شيخنا الإمام ناصح الدين ابن المنّي قال : حصل لي من ميراث والدي عشرون دينارا ، فاشتريت بها شيئا وبعته فأربحت ، فخفت أن تحلو لي التجارة فأشتغل بها ، فنويت الحجّ فحججت ، وتجردت للعلم ، فسمعت درس الشيخ أبي بكر الدينوري صاحب الشيخ أبي الخطاب الكلوذاني ، قلت : فتفقه به ، ومال الفقهاء من أصحاب شيخه إلى الاشتغال عليه . ودرّس بعد موت شيخه . قال لي : تقدمت في زمن أقوام ما كنت أصلح أن أقدّم مداسهم ، وقال لي : رحمه اللّه : ما أذكر أحدا قرأ عليّ القرآن إلا حفظه ، ولا أسمع درس الفقه إلا انتفع . ثم قال : هذا حظّي من الدنيا . وأفتى ودرس نحوا من سبعين سنة ، ما تزوّج ولا تسرى ، ولا ركب بغلة ولا فرسا ، ولا ملك مملوكا ، ولا لبس الثياب الفاخرة إلا لباس التقوى . وكان أكثر طعامه يشرب له في قدح ماء الباقلا ، وكان إذا فتح عليه بشيء فرّقه بين أصحابه . وكان لا يتكلّم في الأصول ، ويكره من يتكلم فيه ، سليم الاعتقاد صحيح الانتقاد
--> ( 47 ) - ذيل طبقات الحنابلة 1 : 359 - 362 ( توفي سنة 583 ) .