إحسان عباس ( اعداد )
189
شذرات من كتب مفقودة في التاريخ
- 25 - « 25 » عبد الرحمن بن علي جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي الواعظ : اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره ، وكانت مجالسه الوعظية جامعة للحسن والإحسان باجتماع ظراف بغداد ونظاف الناس ، وحسن الكلمات المسجعة ، والمعاني المودعة في الألفاظ الرائجة ، وقراءة القرآن بالأصوات المرجّعة والنغمات المطربة ، وصيحات الواجدين ودمعات الخاشعين ، وإنابة النادمين وذل التائبين ، والإحسان بما يفاض على المستمعين ، من رحمة أرحم الراحمين . ووعظ وهو ابن عشر سنين إلى أن مات ، ولم يشغله عن الاشتغال بالعلم شاغل ، ولا لعب ولا لها ، ولا سافر إلا إلى مكة . ولقد كان فيه جمال لأهل بغداد خاصة ، وللمسلمين عامة ، ولمذهب أحمد منه ما لصخرة بيت المقدس من بيت المقدس . حضرت مجالسه الوعظية بباب بدر عند الخليفة المستضيء ، ومجالسه بدرب دينار في مدرسته ، ومجالسه بباب الأزج على شاطئ دجلة ، وسمعت عليه مناقب الإمام أحمد ، وبعثت إليه من دمشق ، فنقل سماعي بخطه وسيّره إليّ ، وحضرت معه في دعوتين ، فكان طيب النفس على الطعام ، وكانت مجالسه أكثر فائدة من مجالسته . وحدثني طلحة العلثي أن الشيخ كان يقرأ في تلك المدة [ أي أثناء نفيه إلى واسط ] ما بين المغرب والعشاء ثلاثة أجزاء أو أربعة أجزاء من القرآن ، وبقي على ذلك من سنة تسعين إلى سنة خمس وتسعين ، فأفرج عنه وقدم إلى بغداد وخرج خلق كثير يوم دخوله لتلقيه ، وفرح به أهل بغداد فرحا زائدا ، ونودي له بالجلوس يوم السبت ، فصلّى الناس الجمعة ، وعبروا يأخذون مكانات موضع المجلس عند تربة أم الخليفة ، فوقع تلك الليلة مطر كثير ملأ الطرقات ، فأحضر في الليل فراشون وروزجارية فنظّفوا موضع الجلوس وفرشوا فيه دقاق الحصى « 1 » والبواري ، ومضى الناس وقت المطر إلى قبو معروف تحت الساباط ، حتى سكن المطر ، ثم جلس
--> ( 25 ) - ذيل طبقات الحنابلة 1 : 411 ، 427 . ( 1 ) في الأصل : الجص .