جمال الدين بن نباتة المصري
69
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
ولما وصل الإسكندر إلى المانكير - وهو من ملوك الصّين - خرج إليه الملك ، وأرسل إليه يقول : علام نفنى العالم ! ابرز إلىّ ، فإن قتلتني كنت أنت الملك ، وإن قتلنك كنت أنا الملك . فتيمّن الإسكندر بكونه بدأ بنفسه في ذكر القتل ، فبرز إليه فقتله الإسكندر . ثم توغّل في بلاد الصين إلى مقرّ ملكها الأكبر . [ وجرت لهما أخبار طويلة اصطلحا فيها على مهادنات ومهاداة ] « 1 » ؛ فبينما هو في بعض الليالي جالس نصف الليل ؛ إذ بالحاجب قد دخل فقال : رسول من ملك الصين بالباب ، فأذن له فدخل ، فقال له : قل ، فقال : الأمر الذي جئت فيه لا يحتمل إلا الخلوة ، فأمر بتفتيشه فلم يجد معه حديدا ، فأخلى المجلس ، وبقي هو وإيّاه ، فقال له : قل : فقال : أنا ملك الصين . قال : وما الذي أمّنك « 2 » منّى ؟ قال : ليس بيني وبينك عداوة ولا ذحل « 3 » . ، وبلغني أنك رجل حكيم عاقل حليم ، ولو قتلتني لم تظفر بطائل منّى ؛ فإنّهم يقيمون غيرى ، وتنسب إلى الغدر ؛ فأخبرني ما الذي تريد منى ؟ قال : ارتفاع ملكك ثلاث سنين آجلا ، ونصف ارتفاعها عاجلا . قال : لقد أجحفت ؛ فما زال ينقصه حتى اقتصر على سدس الارتفاع ، ثم قام مسرعا ، فخرج . وبات الإسكندر ليلته يفكّر في أمره ، فلمّا طلع الصباح ، إذا بملك الصين قد أقبل في جيش طبّق الأرض ، وعليه تاجه ، وبين يديه الأمم ، فركب الإسكندر واستعدّ للقتال ، ثم ناداه : يا ملك الصين ، أغدرا ! فانفرد عن أصحابه وقال : لا ، ولكن أردت أن أعرّفك أنني لم أطعك عن قلّة وضعف ، وما غاب عنك من جنودى أكثر ؛ ولكن رأيت العالم الأكبر « 4 » مقبلا عليك ،
--> ( 1 ) من د . ( 2 ) ت : « أمكنك » ، والصواب ما أثبته من م . ( 3 ) ت : « دخل » . والذحل . الثار . ( 4 ) ت « الكسير » .