جمال الدين بن نباتة المصري
58
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
المبتدئ به سابور ، وهو الذي رفعه وأتمّه وأتقنه حتى صار من عجائب الدنيا ، وكان انشقاقه من المعجزات النبوية [ والخصائص المحمّدية ] « 1 » ، يروى أنّ الرشيد هارون أراد هدمه ، فاستشار يحيى بن خالد البرمكىّ ، فنهاه ، وقال : في بقائه معجزة باقية . فقال الرشيد : بل أبيت إلّا تعصّبا لآبائك - يعنى الفرس - فأمر بهدمه ، فصرف « 2 » على هدم شرفة واحدة مالا كثيرا ، فكفّ عنه . فقال يحيى : أرى الآن أن تهدمه لئلا يتحدّث عنك أنّك عجزت عن هدم ما بناه غيرك ، فتغافل عن قوله وتركه . وحكى عن بعض رسل الملوك أنّه دخل على كسرى ، فرأى في الإيوان اعوجاجا ، فسأل عنه ، فقيل له : إنّه بيت لعجوز فقيرة ، سألها الملك بيعه فامتنعت ، فأرغبها في مال كثير فلم تفعل ، فتركها وبنى الإيوان على ما هو عليه . فقال الرسول : هذا الاعوجاج أحسن من الاستواء . ويروى أنّ العجوز بعد بناء الإيوان نزلت للملك عن البيت ، وقالت : إنّما أردت بامتناعى أولا أن يتحدّث الناس بعدلك ، وتكون لك هذه المأثرة الظاهرة . ثم صنع كسرى في الإيوان سلسلة عظيمة ذات أجراس ، وجعل لها طرفا خارجا عن القبّة ، وأمر مناديه : من كان مظلوما فليحرّك السلسلة ؛ ليعلم به الملك فيزيل ظلامته . قال العسكرىّ : وهذا هو الأصل في قول الناس : حرّك فلان على فلان السلسلة ؛ إذا وشى به . وحكى أنه كان جالسا بالإيوان ، وإذا بحيّة قد دنت من عشّ حمامة في بعض شرف « 3 » الإيوان لتأكل فراخها ، فرمى الحيّة بسهم أو ببندقة فقتلها ، فقال : هكذا نفعل بعدوّ من استجار بنا . فلما كان بعد أيام جاءت الحمامة بحبّ في منقارها
--> ( 1 ) م ط . ( 2 ) كذا في ط ، وفي ت ، م : « فخرج » . ( 3 ) ط : « شقوق » .