جمال الدين بن نباتة المصري

56

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وكان في العرب من يفتخر بفارس على قحطان ، والفرس تقول « 1 » : إنه ابن كيومرث ، وكيومرث عندهم آدم عليه السلام . وإنّه أوّل من ملك الفرس ؛ وكان منفردا عن العالم ، وليس في زمانه ظلم ولا فساد ، فكثر البغى والظّلم ، فاجتمع إليه حكماء أهل زمانه وقالوا : إنّ صلاح هذا العالم في إقامة ملك يورد الأمور ويصدرها ، كما أنّ صلاح الجسد بالقلب ، وأن العالم الصغير من جنس العالم الكبير ؛ لا تستقيم أموره إلّا برئيس يدبّره على ما تقتضيه قضايا العقول ، فصاروا إلى ابن كيومرث « 2 » ، فقالوا : أنت أفضلنا ، وبقيّة أبينا آدم عليه السلام ؛ ولا بدّ من تقديمك علينا وتفويض أمورنا إليك . فأخذ عليهم العهود والمواثيق على السّمع والطاعة ، ووضع التاج على رأسه تمييزا له . وهو أوّل من لبسه ، ثم خطب بالسّريانيّة وهو لسان آدم عليه السّلام ، ويقال : لو ترك كلّ أحد من بني آدم لتكلّم بالسريانية بالطبع ، فتكلّم بكلام معناه الشّكر والدعاء ، والمعونة والهداية ؛ وأقام مدّة طويلة يدبّر الملك . وتوفّى وملك بعده أو شهنج ؛ وملوك الفرس تنسب إليه . وللفرس مبالغات عظيمة في وصف كيومرث ، ومنهم من يزعم أنه آدم نفسه ، وأنه خلق من الرّيباس وعاش ألف سنة . وكسرى ، يقال بفتح الكاف وكسرها ، وجمع جمعين على قياس الأكاسرة ، والكسور ؛ وذلك أن حدّ « الأفاعلة » أن يكون جمع « الأفعال » ، مثل إسكاف وأساكفة ؛ وأما الكسور فإنه جمع بتقدير طرح الألف مثل : جذع ، وجذوع . قال الأعشى : * إنه كائن أبا للكسور * « 3 »

--> ( 1 ) ط : « يقولون » ( 2 ) ط : « فارس بن كيومرث » ( 3 ) هو أعشى قيس ، ملحق ديوانه 245 .