جمال الدين بن نباتة المصري
390
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
المشهور ، صاحب جرير ، ولقّب الفرزدق لجهامة وجهه ، لأنّ الفرزدق ، القطعة الضخمة من العجين ، وكنيته أبو فراس . وذكره الشريف المرتضى فقال : كان الفرزدق مع تقدّمه في الشعر ، وبلوغه فيه إلى الذّروة العليا ، شريف الآباء ، كريم البيت ، [ له ولآبائه ماثر لا تدفع ، ومفاخر لا تجحد ] « 1 » . وكان شيعيّا مائلا لبنى هاشم ، ونزع في آخر عمره عمّا كان عليه من الفسق والقذف ، وراجع طريقة الدّين ، على أنه لم يكن في خلال ذلك منسلخا [ من الدين جملة ، ولا مهملا أمره ] « 1 » . حدّث ابن عمران ، قال : جاء الفرزدق فتذاكرنا رحمة اللّه تعالى وسعتها ، فكان أوثقنا باللّه تعالى ، فقال رجل : ألك هذا الرّجاء وهذا المذهب ، وأنت تفعل ما تفعل ! فقال : أتروني لو أذنبت إلى والدىّ ، أكانا يقذفاننى في تنّور ، وتطيب أنفسهما بذلك ! قلنا : لا : بل كانا يرحمانك ، فقال : أنا واللّه برحمة اللّه أوثق منّى برحمتهما . وقيل : إنه كان يخرج من منزله فيرى بنى تميم ، وفي حجورهم المصاحف ، فيفرح بذلك ويقول : إيه ، فداكم أبى وأمّى ! هكذا واللّه كان آباؤكم « 2 » . واستدلّ الشريف على تشيّعه بحكايته مع هشام بن عبد الملك ، وذلك أن هشاما حجّ في خلافة أبيه ، فأراد أن يستلم الحجر ، فلم يتمكن لازدحام الناس ، فجلس ينتظر خلوة ، فأقبل علىّ بن الحسين رضى اللّه تعالى عنهما ، وعليه إزار ورداء ، وهو من أحسن الناس وجها ، وبين عينيه سجّادة ؛ فجعل يطوف بالبيت ، فإذا بلغ الحجر تنحّى النّاس له هيبة وإجلالا ؛ فغاظ ذلك هشاما ، فقال رجل من أهل الشّام : من هذا الذي قدها به الناس ! فقال هشام : لا أعرفه ،
--> ( 1 ) من الأمالي . ( 2 ) أمالي المرتضى 1 : 62 وما بعدها .