جمال الدين بن نباتة المصري
353
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا * إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم « 1 » حكى ابن عمارة المرّىّ ، قال : حضرت إلى أرض بنى عامر لألقى المجنون ، فدللت على مجلسه ؛ فلقيت أباه شيخا كبيرا وحوله إخوة المجنون ، فسألته [ عنه ] « 2 » ، فقال : إنه كان واللّه عندي أبرّ من هؤلاء جميعا ؛ وإنه عشق امرأة من قومه ما كان يطمع مثلها في مثله « 3 » ، فلما فشا أمرهما كره أبوها أن يزوّجه إيّاها بعد ما ظهر من أمرهما ، فزوّجها من غيره . وأوّل ما ظهر من حبّه لها أنه طرقنا أضياف ذات ليلة ، ولم يكن عندنا أدم ، فبعثته إلى أبى ليلى ، فوقف على خبائه وصاح به ، فقال : ما تشاء ؟ فقال : طرقنا أضياف ولا أدم لنا ، فأرسلني أبى إليك ، فقال : يا ليلى ، أخرجي ذلك النّحى فاملئى له إناءه من السمن . فأخرجته ومعه قعب ، فجعلت تصبّ السمن في الإناء وهما يتحدّثان ، فألهاهما الحديث وهي تصبّ السمن ، وقد امتلأ القعب [ ولا يعلمان ] « 2 » ، وقد سال « 4 » ، واستنقعت أرجلهما في « 5 » السّمن ولا يشعران به ، فراهما أبوها على تلك الحال ، فأمره بالانصراف وحجبها عنه ، [ وزوّجها ] « 2 » . فلما زوّجها زاد هيامه . وكانا في بعض الأوقات يتحدّثان ، ففطن بها زوجها ، فتدلّه وجنّ جنونه ، وهام مع الوحش ، يأكل معها من البقل ، ويرد المياه ، ولا يجد من يطلبه إلا قليلا . فعجبت من أمره ، ويئست من لقائه وانصرفت « 6 » . وحكي بعض بنى عامر ، قال : مررت بالمجنون ، وهو على تلّ رمل ، قد خطّ بأصابعه خطوطا ، فدنوت منه ، فنفر كما ينفر الوحش ، فجلست معرضا عنه ،
--> ( 1 ) الأغانى والديوان : « إلى اليوم » . ( 2 ) من ت والأغانى . ( 3 ) كذا في ط ، وفي الأغانى : « ما كانت تطمع في مثله » ، وفي ت : « ما كان يطمع مثله في مثلها » . ( 4 ) ت : « وهو يسيل » . ( 5 ) كذا في ت ، وفي ط : « من » . ( 6 ) الأغانى 2 : 88 ، 89 .