جمال الدين بن نباتة المصري
323
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
لقد اتّقيت اللّه حقّ تقاته * وجهدت نفسك فوق جهد المتّقى « 1 » وأخفت أهل الشّرك حتى إنّه * لتخافك النّطف التي لم تخلق احتجّ له بعض العلماء في هذا البيت ، فقال : الإنسان إذا خاف شيئا خافه لحمه ودمه ، فكأنّ الأعداء خافته ، ونطفها في ذلك الوقت دم ، فجرى الخوف في الدّم ، فجرى الدم في الأخلاط فجرت الأخلاط ، واستحالت إلى منىّ بعد الانعقاد والنّضج التام ، فانعقد في الرّحم ، فتكوّن منه إنسان ؛ فخافته من هذا القبيل . وهذا أمر غامض ، والأمر فيه محتمل . وقال آخر : خافته ذريّة آدم منذ أخذ اللّه تعالى عليها الميثاق ، وهي في ظهر أبينا آدم حين قال اللّه تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى « 2 » ، فلبّت في ظهر آدم صلوات اللّه وسلامه عليه . والقول الأول أمكن عند الحكماء ، وأما القول الثاني فهو قريب من باب الاحتمال . وقوله : مرّ بنا والعيون ترمقه * تجرح منه مواضع القبل « 3 » أفرغ في قالب الجمال فما * يصلح إلا لذلك العمل وقوله أيضا ، وقد هجا بعضهم فسمع منه ما لا يرضيه ، فقال : ما أنت بالحرّ فيلحى ولا * بالعبد يرجى نفعه بالعصا فرحمة اللّه على آدم * رحمة منّ عمّ ومن خصّصا لو كان يدرى أنه خارج * مثلك من إحليله لاختصى وأما قوله في أمر الزهد ، فأنشد يوما هذين البيتين ، يقول :
--> ( 1 ) ديوانه 62 . ( 2 ) سورة الأعراف 432 . ( 3 ) ديوانه 32 .