جمال الدين بن نباتة المصري

3

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

أمّا بعد ، أيّها المصاب بعقله ، المورّط بجهله ؛ البيّن سقطه ، الفاحش غلطه ؛ العاثر في ذيل اغتراره ، الأعمى عن شمس نهاره ؛ السّاقط سقوط الذّباب على الشّراب ، المتهافت تهافت الفراش في الشّهاب ؛ فإنّ العجب أكذب ، ومعرفة المرء نفسه أصوب . وإنّك راسلتني مستهديا من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك ، متصدّيا من خلّتى لما قرعت دونه أنوف أشكالك ، مرسلا خليلتك مرتادة ، مستعملا عشيقتك قوّادة ، كاذبا نفسك أنّك ستنزل عنها إلىّ ، وتخلف بعدها علىّ ولست بأوّل ذي همّة * دعته لما ليس بالنّائل ولا شكّ أنها قلتك إذ لم تضنّ بك ، وملّتك إذ لم تغر عليك ، فإنّها أعذرت في السّفارة لك ، وما قصّرت في النّيابة عنك ، زاعمة أنّ المروءة لفظ أنت معناه ، والإنسانيّة اسم أنت جسمه وهيولاه ، قاطعة أنّك انفردت بالجمال ، واستأثرت بالكمال ، واستعليت في مراتب الجلال ، واستوليت على محاسن الخلال ، حتى خلت أنّ يوسف - عليه السلام - حاسنك فغضضت منه ، وأنّ امرأة العزيز رأتك فسلت عنه ، وأنّ قارون أصاب بعض ما كنزت ، والنّطف عثر على فضل ما ركزت ، وكسرى حمل غاشينك ، وقيصر رعى ماشيتك ، والإسكندر قتل دارا في طاعتك ، وأردشير جاهد ملوك الطّوائف لخروجهم عن جماعتك ، والضّحّاك استدعى مسالمتك ، وجذيمة الأبرش تمنّى منادمتك ، وشيرين قد نافست بوران فيك ، وبلقيس غايرت الزّبّاء عليك . وأنّ مالك بن نويرة إنّما ردف لك ، وعروة ابن جعفر إنّما رحل إليك ، وكليب بن ربيعة إنّما حمى المرعى بعزّتك ،