جمال الدين بن نباتة المصري

290

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وقيل : أوّل من تكلم في القدر رجل من أهل العراق ، كان نصرانيّا فأسلم ، ثم تنصّر ، وأخذ عنه معبد الجهنىّ ، وغيلان الدّمشقى . وروى أن مكحولا « 1 » قال لغيلان : ويلك يا غيلان ! ألم أجدك ترامى النساء بالسفاح في شهر رمضان ، ثم صرت حارثيّا تخدم امرأة الحارث الكذّاب ، وتزعم أنّها أم المؤمنين ، ثم تحوّلت بعد ذلك قدريّا وزنديقا ! وروى أنّ غيلان وقف يوما على ربيعة « 2 » ، فقال له : أنت الّذى تزعم أن اللّه يحب أن يعصى ! فقال له ربيعة : أنت الذي تزعم أن اللّه يعصى قسرا ! وقيل لغيلان : من كان أشدّ عليك ؟ قال : عمر بن عبد العزيز ، كأنّما كان يلقّن من السّماء . وحكى ابن مهاجر ، قال : بلغ عمر بن عبد العزيز أن غيلان وفلانا نطقا في القدر ، فأرسل إليهما وقال : ما الأمر الذي تنطقان به ؟ فقالا : هو ما قال اللّه يا أمير المؤمنين ، قال : وما قال اللّه ؟ قال : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ، ثم قال : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ، ثم سكتا ؛ فقال عمر : اقرأ ، فقرا حتى بلغا : إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . . . « 3 » . إلى آخر السورة ، قال : كيف تريان يا بنى الأتانة ! تأخذان الفروع وتدعان الأصول ! قال ابن مهاجر : ثم بلغ عمر بن عبد العزيز أنّهما أسرفا ، فأرسل إليهما

--> ( 1 ) هو مكحول الشامي الفقيه ، تابعي ، إلا أنه كان يرى القدر . توفى سنة 113 . تهذيب التهذيب . ( 2 ) هو ربيعة الرأي ، كان أبو العباس السفاح قد أقدمه للقضاء ، توفى سنة 136 . صفة الصفوة 2 : 83 . ( 3 ) سورة الدهر 1 - 31 .