جمال الدين بن نباتة المصري

277

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

فقال : يا أمير المؤمنين ، ذهبت لغة العرب لمّا خالطت الأعاجم ، ويوشك أن تضمحلّ ، وأخبره « 1 » خبر ابنته . فأمره فاشترى صحفا ، فأملى عليه : الكلام كلّه لا يخرج عن اسم ، وفعل ، وحرف جاء لمعنى ، ثم قال له : انح هذا النّحو ؛ فسمى النّحو ، [ ثم رسم رسوم النحو كلها ] « 2 » . وقيل : « 3 » كان سبب وضع النّحو أنّ معاوية أرسل إلى زياد يطلب ابنه ، فأدخل عليه فسمعه يلحن « 3 » ، فأرسل إلى أبيه يلومه ، فأرسل زياد إلى أبى الأسود أن يضع في النحو شيئا - وكان أبو الأسود من أفصح الناس ، ويقول : إنّى لأجد اللحن غمرا كغمر اللحم - فأبى أبو الأسود ، وكره إجابة زياد ، فوجّه زياد رجلا وقال له : اقعد في طريق أبى الأسود ، فإذا مرّ بك فاقرأ شيئا من القرآن وتعمّد اللّحن ، فقعد ، فلما مرّ به أبو الأسود قرأ : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ « 4 » بالجرّ ، فاستعظم أبو الأسود ذلك ، وعاد إلى زياد فقال : قد أجبتك . ثم وضع مختصره في أصول النحو . وأول ما وضع باب التعجب ، ثم وضع بعده عنبسة ، ثم أبو عمرو بن العلاء وغيرهما ، إلى أن وصل إلى سيبويه ، فأخذ الغاية على من قبله وبعده . وكانت وفاة أبى الأسود سنة تسع وستين بالبصرة بالطاعون الجارف « 5 » ، وهو ابن خمس وثمانين سنة . وكان عالما شاعرا ذا رأى ، إلّا أنه كان شديد البخل والتشيّع ، فمن أخباره ما حدّث أبو عمرو ، وقال : كان أبو الأسود نازلا في بنى قشير ، وكانوا يخالفونه في المذهب ، لأنّ أبا الأسود كان شيعيّا ، فكانوا يذمّونه بالليل ، فإذا

--> ( 1 ) ط : « وأخبر » . ( 2 ) تكملة من ط ، م . ( 3 - 3 ) ت : « ثم إن معاوية أرسل إلى زياد يطلب ابنه ، فأدخل عليه فسمعه يلحن » ( 4 ) سورة التوبة 9 . ( 5 ) الطاعون الجارف وقع بالبصرة سنة 69 في خلافة ابن الزبير ، قال المدائني : حدثني من أدرك الطاعون الجارف قال : كان ثلاثة أيام ، فمات فيها نحو من سبعين ألفا . تاريخ الإسلام للذهبي 2 : 373 .