جمال الدين بن نباتة المصري
263
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
جملة كلام : الإنسان تارة يخطئ ، وتارة يصيب ؛ فقال مالك : هكذا عرّفنا مشايخنا ، فضحك بعض الحاضرين ، فلما خرجوا قال بعض أصحاب مالك : إنّ أبا يوسف قال كذا ، ولعله متعمّد ، وأجبت كذا فخجل مالك ، ودعا على أبى يوسف ألّا ينتفع بعلمه ، فكان كذلك مع جودة كتبه عند الحنفية . وحكى ابن حمدون في تذكرته : أنّ حسن بن نعمان قال : كنت بالمدينة فخلا بي الطريق نصف النهار ، فجعلت أتغنّى في شعر ذي يزن ، وأقول : ما بال قومك يا رباب * خزرا كأنّهم غضاب فإذا كوّة قد فتحت ، وإذا وجه قد بدا منها تتبعه لحية حمراء ، فقال : يا فاسق ، أسأت التأدية ، ومنعت القائلة ، وأذعت الفاحشة ! ثم اندفع فغنّى الصوت غناء لم أسمع بمثله ، فقلت : أصلحك اللّه ! من أين لك هذا الغناء ؟ قال : نشأت وأنا غلام ، فأعجبني الأخذ عن المغنّين ، فقالت أمىّ : يا بنىّ ، إن المغنّى إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه ، فدع الغناء واطلب الفقه ؛ فتركت المغنين ، وتبعت الفقهاء ، فبلغ اللّه أبى إلى ما ترى . فقلت : أعد الصوت ، جعلت فداك ! فقال : لا ولا كرامة ! تريد أن تقول : أخذته عن مالك بن أنس ! وإذا به مالك رضى اللّه تعالى عنه . ومن كلامه : إذا ترك العالم قول : « لا أدرى » أصيبت مقاتله . وقال : ليس العلم بكثرة الرّواية ، وإنما هو نور يقذفه اللّه في القلب . وسأله رجل عن قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 1 » ، فقال : الاستواء معقول ، والكيف مجهول ، وما أظنك إلا رجل سوء !
--> ( 1 ) سورة طه 5 .