جمال الدين بن نباتة المصري
243
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
وصنّف كتابا في مدح البخل ، ثم أهداه للحسن بن سهل واستماحه ، فكتب إليه الحسن : قد مدحت ما ذمّه اللّه ، وحسّنت ما قبّحه اللّه ، وما يقوم بفساد معناك صلاح لفظك ؛ وقد جعلنا ثواب مدحك فيه قبول قولك ، فما نعطيك شيئا . وكان سهل من أبخل الناس ، وله في البخل وغيره نوادر حسنة ؛ حكى الجاحظ قال : لقى رجل سهل بن هارون ، فقال : هب لي ما لا ضرر به عليك ، فقال : وما هو يا أخي ؟ قال : درهم ، قال : لقد هوّنت الدرهم ، وهو طائع اللّه في أرضه [ الذي ] « 1 » لا يعصى ، وهو عشر العشرة ، والعشرة عشر المائة ، والمائة عشر الألف ، والألف عشر دية المسلم ؛ ألا ترى إلى أين انتهى الدرهم الذي هوّنته ! وهل بيوت الأموال إلا درهم على درهم ! فانصرف الرجل ، ولولا انصرافه لم يسكت . وحكى دعبل الخزاعىّ ، قال : أقمنا يوما عند سهل بن هارون ، وأطلنا الحديث حتى أضرّ به الجوع ، فدعا بغدائه ، فأتى بصحفة فيها مرق ، تحته ديك هرم ، فأخذ كسرة وتفقّد ما في الصّحفة ، فلم يجد رأس الديك ، فبقى مطرقا ، ثم قال للغلام : أين الرأس ؟ قال : رميت به ، قال : ولم ؟ قال : لم أظنّك تأكله ، قال : ولم ظننت ذلك ؟ فو اللّه إني لأمقت من يرمى برجله ، فكيف برأسه ! والرّأس رئيس يتفاءل به ، وفيه الحواسّ الخمس ، ومنه يصيح الديك ، ولولا صوته ما أريد ، وفيه فرقه الذي يتبرّك به ، وعينه التي يضرب بصفائها المثل ، ودماغه عجيب لوجع الكلية ، ولم أر عظما قطّ أهشّ من رأسه ؛ فإن كان بلغ من قبلك ألّا تأكله ، فعندنا من يأكله . أما علمت أنه خير من طرف
--> ( 1 ) من ت .