جمال الدين بن نباتة المصري

236

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وأقبل الظّرف عليه ؟ فقال : إن الطبيعة إنّما احتاجت إلى الصناعة في هذا المكان لأنّ الصناعة هاهنا تستملى من النفس والعقل ، وتملى على الطبيعة ، وقد صحّ أن الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس ، وإنّما تعشق النفس وتقبل آثارها ، وتكتب بإملائها . وللموسيقى حاصل للنفس موجود فيها على نوع لطيف ؛ فالموسيقار إذا صادف طبيعة قابلة ، ومادّة منقادة ، أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس لبوسا شريفا ، وأعطاها صورة معشوقة ؛ فمن هاهنا احتاجت الطبيعة إلى الصناعة ؛ [ لأنها وصلت إلى كمالها من ناحية النفس الناطقة ، بواسطة الصناعة ] « 1 » الحاذقة ، التي من شأنها استملاء ما ليس لها ، وإملاء ما يحصل فيها مستكملا ؛ استكمالا بما تأخذ لما تعطى . فأمّا الأوتار والأنقار فإشارة إلى الآلات المطربة الملهية من العيدان والدّففة وما أشبه ذلك . ويقال : إنّ أوّل من اتّخذ العود لمك بن متّوشلح ، على مثال فخذ ابنه الميت ، وهو قول منكر « 2 » . وقيل : بطلميوس . وقيل : بعض حكماء الفرس ، وسماه البربط ، وتفسيره باب النّجاة ؛ ومعناه أنه مأخوذ من صرير باب الجنّة ، وقد جعلت أوتاره أربعة بإزاء الطبائع ؛ فالزّير بإزاء المرّة السّوداء ، والمثنى بإزاء الدم ، والمثلّث بإزاء البلغم ، والبمّ بإزاء الصفراء . فإذا اعتدلت « 3 » أوتاره المرتّبة « 4 » على ما يجب جانست الطبائع ، فأنتجت الطرب ، وهو رجوع النّفس إلى الحالة الطبيعيّة دفعة واحدة . وأوّل من اتّخذ الدّففة لوبا بن لمك ، واتّخذت العرب القصب والتّوقيع

--> ( 1 ) تكملة من ت . ( 2 ) ط : « ضعيف » . ( 3 ) ط : « أحكمت » . ( 4 ) ط : « المركبة » .