جمال الدين بن نباتة المصري
223
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
[ أبو معشر الفلكىّ ] وأبو معشر هذا هو جعفر بن محمد بن عمر البلخىّ ، المنجّم المشهور في علم النّجامة ؛ كان في الأوّل من أصحاب الحديث ببغداد ، وكان يشنّع على الكندىّ الفيلسوف بعلوم الفلسفة ، ويغرى به العامّة ، فدسّ له الكندىّ من حسّن له النّظر في علم الحساب والهندسة ، فدخل في ذلك ، ثم عدل إلى أحكام النّجوم فتفنّن ومهر ، وانقطع شرّه عن الكندىّ ، لأنه من جنس علوم الكندىّ . ويقال : إنّه اشتغل بالنّجوم بعد سبع وأربعين سنة من عمره ، وصنّف الكتب الحسنة في هذا العلم ، مثل كتاب : الألوف ، وكتاب المدخل ، وكتاب المذكّرات وغير ذلك ؛ وظهرت له إصابات عجيبة ، وحكى عنه فيها حكايات بديعة ، قال في كتاب المذكّرات : حضرت وشيلمة والزّيادىّ عند الموفّق ، وكان الزيادىّ أستاذ زمانه في النّجوم ، فأضمر الموفّق ضميرا ، فقال الزيادىّ : أضمر الأمير فقد أمر جليل رفيع ، فقال له : كذبت ! فقال شيلمة قولا قريبا منه ، فقال الموفّق : كذبت ! ثم قال لي : هات ما عندك ؛ فقلت : أضمر الأمير « اللّه عزّ وجلّ » ، فقال : أحسنت واللّه ! ويلك أنّى لك هذا ! قلت : الرئيس يرى فعله ، ولا يرى نفسه . وكان في أرفع درجة الفلك في الضّمير ، ولم أعرف له مثلا إلا اللّه عزّ وجلّ ؛ لأنّ اللّه تعالى يرى فعله ولا يرى هو ، وهو فوق كلّ عزّة وسلطان ؛ ليس فوقه شيء . وحكى عنه أنه كان قد تنقّل في البلاد ، فاتّصل ببعض ملوك العجم ، وأنّ الملك طلب رجلا من أتباعه وأكابر دولته ، ليطالبه بجريمة وقعت منه ، فاستخفى الرّجل ، وعلم أن أبا معشر يدلّ عليه بالطريق الذي يستخرج بها الخلفاء ، والأشياء الكامنة ، فأراد أن يصنع شيئا لا يهتدى إليه ، ويبعد عنه الحدس يا