جمال الدين بن نباتة المصري

189

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وهو من ملوك الترك - وأرسل إليه مفتاح بلده وغير ذلك من الهدايا ، فصالحه ، وأقام قتيبة على بلخ ؛ لأنّ بعضها كان عاصيا عليه ، فقاتل أهلها وسباهم ؛ وكان فيمن سبى امرأة برمك جدّ البرامكة ، فصارت إلى عبد اللّه بن مسلم ، أخي قتيبة فواقعها ، فيقال : إنها حملت منه بخالد ، وقيل : كانت حاملا به . ثم غزا قتيبة بيكند - وهي أدنى مدائن بخارى إلى النّهر ، ويقال لها مدينة التجّار ، وهي على رأس المفازة من بخارى - فلما نزل بها استنصروا بالصّغد ، واستنجدوا من حولهم ، فأتوهم في جمع كثير ، وأخذوا على قتيبة الطرق والمضايق ، فلم يصل إليه رسول ، ولا قدر على إنفاذه رسول مدة شهر ، وأبطأ على الحجّاج خبره ، فأشفق عليه وعلى من معه من المسلمين ، فأمر الناس بالدّعاء ، وكتب بذلك إلى الأمصار ، وأقام قتيبة يقاتلهم كلّ يوم ؛ وكان لقتيبة عين فيهم ، يقال له بندار ، أعجمىّ ، فدفع إليه أهل بخارى مالا على أن يدفع قتيبة عنهم ، فأتاه فقال : أخلنى ، فأخلى المجلس ، فقال : قد عزل الحجّاج عن العراق ، وهذا عامل جديد يقدم عليك ؛ فارجع بالنّاس إلى مرو - وكان عند قتيبة ضرار الضّبىّ - فقال قتيبة لغلامه : اقتل بندار ، فضرب عنقه ، فقال لضرار : واللّه لئن علم أحد بهذا الحديث قبل أن يقضى حربنا لألحقنّك به ؛ فإنّ انتشار مثل هذا الحديث يفتّت في أعضاد المسلمين . ثم أصبح الناس على راياتهم ، وأنكروا قتل بندار ، وقالوا : كان ناصحا للمسلمين ؛ فقال قتيبة : ظهر لي غشّه ، فأخذه اللّه بذنبه . ثم تقدّم فقاتل ، وأنزل اللّه النّصر على المسلمين فهزموهم وفتح قتيبة أكنافهم ، ووصل إلى بيكند ، ففتحها عنوة ، وأصاب بها من الأموال والجواهر ما لم يصبه في بلد آخر ؛ وكان بها صنم من ذهب فأذابوه ، فخرج منه مائة ألف وخمسون ألف مثقال من الذهب . وكتب إلى الحجّاج بالفتح ، ثم توجه إلى سجستان ، فأرسل إليه صاحبها