جمال الدين بن نباتة المصري
159
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
وهرم بن سنان المرّيّان وحمل الحمالات ، واجتهدا في إصلاح ذات البين . وفي ذلك يقول زهير بن أبي سلمى الشاعر : تداركتما عبسا وذبيان بعد ما * تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم « 1 » وكانت اليد الطّولى للحارث بن عوف أوّلا وآخرا ، والسّبب في ذلك أنّ الحارث قال يوما لخارجة بن سنان : أتراني أخطب إلى أحد فيردّنى ؟ قال : نعم ، قال : ومن ذلك ؟ قال أوس بن حارثة بن لأم الطّائىّ ، فقال الحارث لغلامه : ارحل ، فركبا حتى لقيا أوس بن حارثة في بلاده ، فوجداه في فناء منزله ، فلمّا رأى الحارث بن عوف ، قال : مرحبا بك يا حارث . قال : وبك ، قال : وما حاجتك ؟ قال : جئتك خاطبا ، قال : لست هناك ! فانصرف ولم يكلّمه . ودخل أوس إلى امرأته مغضبا - وكانت من عبس - فقالت : من الرجل الواقف « 2 » عليك ؟ قال : ذلك سيّد العرب الحارث بن عوف ، قالت : فما لك لم تستنزله ؟ قال : إنه استحمق ، قالت : وكيف ؟ قال : جاءني خاطبا ، قالت : أفتريد أن تزوّج بناتك ؟ قال : نعم ، قالت : فإذا لم تزوّج سيّد العرب فمن ! قال : قد كان ذلك ، قالت : فتدارك ما كان منك ، قال : بما ذا ؟ قالت : بأن تلحقه فتردّه ، قال : وكيف وقد فرط منّى ما فرط إليه ! قالت : تقول : إنك لقيتني وأنا مغضب بأمر لم تقدّم فيه قولا ؛ فانصرف ولك عندي ما تحبّ ، فإنه سيفعل . فركب أوس بن حارثة في أثره . قال خارجة : فو اللّه إنّا لنسير إذ حانت منّى التفاتة ، فرأيته فأقبلت على الحارث ، وما يكلّمنى غمّا ، فقلت له : هذا أوس بن حارثة ، فقال : وما نصنع به ! امض ، فلما رآنا لا نلتفت صاح : يا حارث ، اربع علىّ ، فوقف له فكلّمه
--> ( 1 ) ديوانه 15 . ومنشم ، قال شارح الديوان : « زعم الأصمعي أنها امرأة عطارة من خزاعة ، تحالف قوم فأدخلوا أيديهم في عطرها على أن يقاتلوا حتى يموتوا ، فصار هؤلاء مثل أولئك في شدة الأمر » . ( 2 ) ط : « الذي وقف » .