جمال الدين بن نباتة المصري
106
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
زعقة ، نشّاشة « 1 » ؛ طرف « 2 » في ملح أجاج ، والطّرف الآخر في الفلاة ، لا يأتيها الجلب إلّا في مثل حلقوم النعامة ، فارفع خسيستنا « 3 » ، وانعش ركيستنا « 4 » ؛ واعدل لنا قفيزنا ودرهمنا ، ومر لنا بنهر نستعذب منه الماء « 5 » . فقال عمر رضى اللّه عنه : أعجزتم أن تكونوا مثل هذا العبد ! هذا واللّه السيّد ! فما زلت أسمعها منه ، ثم حبسه عنده سنة ، ثم قال : يا أحنف ، إنّى قد بلوتك فأعجبتنى ؛ وإنما حبستك لأعلم علمك ؛ فإنّى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « احذروا المنافق العالم » ؛ وأشفقت عليك منه ، فوجدتك بريئا مما تخوّفت عليك ، وسرّحه ، وأحسن جائزته . ولم يزل يشرّف حتى مات ، وساد بعقله وحلمه حتى يكاد يجرّد لأمره مائة ألف سيف ، وكان أمراء الأنصار يلتجئون إليه في المهمّات ، وكان إذا أراد حربا قال الناس : قد غضبت زبراء ، فصار مثلا . وزبراء جاريته فكان مطيعا لها ، فكانوا يكنون عن غضبه في الحرب بغضبها . وكان يقول : كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلّم منه الحلم ، كما نختلف إلى العالم نتعلم منه العلم « 6 »
--> ( 1 ) في اللسان « سبخة نشاشة ، أي لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها » . ( 2 ) كذا في ت ، وفي باقي الأصول : « طرفها » . ( 3 ) في اللسان عن الأزهري : « يقال : رفع اللّه خسيسة فلان ؛ إذا رفع حاله بعد انحطاطها ، ومنه حديث الأحنف : « إن لم ترفع خسيستنا » وفي ت : « خسيسنا » . ( 4 ) يعنى الحال الضعيفة . والركيس : الضعيف . ( 5 ) حديث الأحنف وما فيه من غريب في الفائق 1 : 245 . ( 6 ) في أخبار الأحنف في ابن خلكان 1 : 231 : « وكان يقول : ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم المنقري ؛ لأنه قتل ابن أخ له بعض بنيه ، فأتى بالقاتل مكتوفا يقاد إليه ؛ فقال : ذعرتم الفتى ؛ ثم أقبل على الفتى فقال : يا بنى ؛ بئس ما فعلت ! نقصت عددك ، وأوهنت . عضدك ، وأشمت عدوك ؛ وأسأت بقومك ؛ خلوا سبيله ، واحملوا إلى أم المقتول ديته ؛ فإنها غريبة . ثم انصرف القاتل ، وما حل قيس حبوته ، ولا تغير وجهه » .