جمال الدين بن نباتة المصري
91
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
وبسبب مقتله قامت حرب الفجار ، ؛ وذلك أنّ النّعمان كان يبعث لسوق عكاظ في كلّ عام لطيمة « 1 » في جوار رجل شريف من أشراف العرب يجيزها له من أحياء العرب حتى يبيعها هناك ، ويشترى له بثمنها من أدم الطائف وغيرها مما يحتاج إليه . وكان سوق عكاظ يقوم في كلّ يوم من ذي القعدة الحرام ، فيتسوّقون لي حضور الحجّ ثم يحجّون . وكانت الأشهر الحرم أربعة أشهر : ذو القعدة ، وذو الحجّة ، والمحرّم ، ورجب . وكانت العرب من ذي القعدة يتهيّئون للحجّ ، ويأمن بعضهم بعضا ، فجهّز النعمان غير اللطيمة ، ثم قال : من يجيزها ؟ فقال البرّاض بن قيس : أنا أجيزها على بنى كنانة ، فقال النّعمان : ما أريد إلّا من يجيزها على أهل نجد وتهامة ؛ فقال : عروة الرّحّال - وهو يومئذ رجل هوازن - أهذا الكلب يحيزها لك ! أنا أجيزها على أهل الشّيح والقيصوم من أهل نجد وتهامة . فقال البرّاض : أعلى بنى كنانة تجيزها يا عروة ! فقال : وعلى النّاس كلّهم ! فدفعها النعمان إلى عروة ، فخرج بها ، وتبعه البرّاض - وكان فاتكا عيّارا ، وعروة لا يحسّ منه شيئا ؛ لأنه كان بين ظهراني قومه من غطفان - فنزل بأرض يقال لها أوارة ، فشرب الخمر ، وغنّته قينة ، ونام ، فجاء إليه البرّاض فدخل عليه وأيقظه ، فناشده عروة ، وقال : كانت منى زلّة ، فقتله ؛ وخرج وهو يرتجز : قد كانت الفعلة منى ضلّه * هلّا على غيرى جعلت الزّلّة ! وهرب ، فضربت العرب المثل بفتكة البرّاض له ، وقامت حروب عظيمة بسببه . ومن شعر عروة : أتعجب منّى أم حسّان إذ رأت * نهارا وليلا أبليانى فأسرعا ! وقد صار إخواني كأنّ عليهم * ثياب المنايا والثّغام المنزّعا
--> ( 1 ) اللطيمة : العير تحمل العطر .