جمال الدين بن نباتة المصري

87

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وددت لو رثيت أخي زيدا بمثل ما رثيت به أخاك ! قال : واللّه لو علمت أنّ أخي صار إلى ما صار إليه أخوك لم أرثه ، ولم أحزن عليه - يعنى الجنّة . وأمّا الطّاعنون فذكروا أنّ خالدا لما احتجّ على مالك بارتداده ، أنكر مالك ذلك ، وقال : أنا على الإسلام ، واللّه ما غيّرت ولا بدّلت ؛ وشهد قتادة وعبد اللّه ابن عمر - رضى اللّه عنهما - ثم إنّ خالدا أمر بقتله ، فجاءت امرأته ليلى بنت سنان كاشفة وجهها . وكانت من الحسان - فألقت نفسها عليه ، فقال لها : أنت قتلتني - يعنى أنها أعجبت خالدا ، وأنه يريد قتله ويتزوّجها - وقام ضرار ابن الأزور فضرب عنقه ، وجعل رأسه أثفيّة للقدر ، ووجهه مما يلي النار ، فنظرته امرأة من قومه ؛ وهو على تلك الحال ، فقالت : اصرفوا وجه ملك عن النار ؛ فإنّه واللّه كان غضيض الطّرف عن الجارات ، حديد النّظر في الغارات لا يشبع ليلة يضاف ، ولا ينام ليلة يخاف . ثم بلغ عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ما صنع خالد ؛ فحرّض عليه أبا بكر رضى اللّه عنه ، وقال : إنه قتل مسلما وزنى ؛ فارجمه . ووافقه علىّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، فقال أبو بكر : إنّه تأوّل فأخطأ ، وما كنت لأشيم سيفا سلّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - يعنى أغمده - وما زال عمر حاقدا على خالد بهذه الواقعة حتى عزله عن جيش الإسلام ، وقال : واللّه لا ولى عملا في أيامى . وكان متمّم بين نويرة منقطعا إلى مالك ، مكفى المئونة ، فلمّا قتل حزن عليه حزنا شديدا ، ورثاه بقصائد مشهورة ، وحضر حين بلغه ذلك إلى مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فصلّى الصّبح خلف أبى بكر ، فلمّا فرغ من صلاته وانفتل ، قام متمّم فاتكأ على [ سية ] « 1 » قوسه وهو واقف مع الناس ، ثم أنشد يقول :

--> ( 1 ) من الأغانى والكامل للمبرد ، وسية القوس : ما عطف من طرفيها .