الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح
111
سبك المقال لفك العقال
بالعناية ، واصطفاهم مولاهم للولاية لما كثر الكلام على محي الدين ، شرفه عليهم بالكرامة سلطان السلاطين ؛ فاجتمع فقهاء عصره بمجلس الخلافة ، ولم يقصدوا في الجمع خلافه ، وكان قصدهم بيان يقع ؛ فأبى اللّه إلا أن يتم نوره ، ويطلع في أفق الحفظ شموسه وبدوره ؛ فقال لهم الشيخ محي الدين : أنتم أحطتم بما جاء به النبي - عليه السلام - من كل الوجوه ؛ فقالوا : لا . فقال لهم : ثم من أدرك ما لم تدركوا ، فكأن عز الدين بن عبد السلام أنكر هذا القول فلما رآه الشيخ مصرا على الإنكار ، رفع يديه إلى السماء ، وقال : اللهم ادحض حجته ، وعم عن حاضريه محجته ؛ فصعد منبر الخطابة في تلك الجمعة ، فدعى على السلطان وطائفته فأزعج إلى الديار المصرية بعد إهانة شديدة ، وضرب بالعصي ، ومما ابتلى به محي الدين في دنياه ، وامتحن به في رؤياه ، أنه وشي به إلى السلطان ، ورفعت عليه كلمات شنيعة عندهم ؛ فقال السلطان : قتله بمحضر الأعداء علينا يستشنع ، وهذا أمر فيه قدح على الدين إذا يسمع ، ولكن لا يخاتن ، ولا يدانى ولا يخالط ؛ فنبذوه وراء ظهورهم ، وأبى اللّه إلا أن يتم نوره دون نورهم . توفي - رحمه اللّه - بدمشق « 1 » سنة ست وثلاثين وستمائة ، ودفن بالصالحية في تربة القاضي زكي الدين « 2 » . قلت : ذكرت هؤلاء الرجال الأربعة ، وهم أصحاب أحوال وأقوال وأفعال ، وكل منهم خصّ بابتلاء « 3 » ، وصعد ذروة سنى وسناء ، والابتلاء « 4 » نوعان : ابتلاء بالدنيا ، وهو عند الصديقين أصعب الأشياء ، وابتلاء بالمحن ،
--> ( 1 ) هي قاعدة الشام ، وعاصمة سوريا في الوقت الحاضر ، سميت باسم صاحبها الذي بناها وهو دمشق بن قاني بن مالك بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السّلام ، وقد اتخذها بنو أمية عاصمة لحكمهم ، وبها جامعهم الذي بناه الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين ، وقد أسهب الحميري في الروضة في وصفها وفي ذكر محاسنها الروض المعطار : 237 . ( 2 ) وقبره بهذه التربة مشهور معروف إلى اليوم ، بل سميت المنطقة باسم هذا الشيخ إكراما له وعرفانا بقدره . ( 3 ) في ( ب ) بالابتلاء . ( 4 ) في ( ب ) وابتلاء .