أبو سعد بن أبي علي كاتب بغدادي ( ابن الموصلايا )

58

رسائل أمين الدولة ابن الموصلايا

أسلوب ابن الموصلايا : أجمع المؤرخون على أنّ أسلوب ابن الموصلايا في الذروة العليا من البيان والتفنّن ، وهو إجماع نابع من طبيعة التفكير الأدبي السائد آنذاك . ويلحظ المتأمل في أسلوب ابن الموصلايا أنه أسلوب قائم على الصنعة والتكلّف والإغراق في اجتلاب المحسّنات البديعية من طباق وجناس ، واستعارة ومجاز ، وهو أسلوب غير دالّ على غزارة التصرف في فنون العربية كما نجده عند الكتاب المبدعين كعبد الحميد الكاتب ، والجاحظ والتوحيدي ، ومن هو من طبقتهم الذين كانوا من البراعة والاقتدار بالمكان الرفيع ، ومع ذلك فلا نجد في مصنفاتهم ما نجده عند الكتّاب المتأخرين من فشوّ الصنعة ، والإغراق في التكلّف ، وخضوع الكاتب للأساليب الجاهزة بحيث أصبحت اللغة تملي على الكاتب طرائق الصياغة والسبك ، فتراجعت القدرة على الإبداع والتفنّن ، وأصبح الابتكار الأدبي مرهونا بقدرة الكاتب على السجع المتكلف المكروه شرعا وطبعا ، وعلى الفخامة اللفظية ، والزركشة الأسلوبية بحيث فقد الكاتب والناثر كثيرا من مقومات شخصيته الأدبية . وليس إجماع المؤرخين على سموّ منزلة ابن الموصلايا الأدبية إلّا دليلا على شيوع ذلك النمط من الذوق الأدبي ، أما أن يكون ذلك هو النموذج الأرقى والأولى بالتقديم فتلك مسألة أخرى ، والذي عليه النقاد أن مدرسة الجاحظ ، والتوحيدي ، ومن حذا حذوهما هي الأولى بالتقديم ، وهي الأوفر حظا من أساليب البلاغة العربية المستفادة من نصوصها الكبرى : القرآن الكريم ، والحديث النبوي ، وأشعار الفحول المتقدمين ، وعليه ، فإن مقتضى النظر التاريخي يدلّ على براعة ابن الموصلايا في الكتابة الأدبية بسبب التقاليد الفنية السائدة في عصره ، أما أن تكون هذه البراعة قائمة على الأصالة والإبداع كما هو مستفاد من الفنون الأدبية الرفيعة ، فهذا لم يكن موجودا في ذلك العصر أصلا ، فهناك إفراط في الخضوع لمفاهيم الصنعة ، وتبذير في استخدام الأساليب الجاهزة ، وهو مما تأباه الكتابة الإبداعية الرفيعة . هذا ولقد تنوع أسلوب ابن الموصلايا في كتابة الرسائل ، ولكن ضمن الإطار العام لتقاليد الكتابة الأدبية السائدة في عصره ، وذلك بسبب تنوع موضوعات الرسائل ، وقد أشار القلقشندي إلى هذه الظاهرة بقوله : « والذي رأيته من مكاتبات العلاء ابن الموصلايا عن القائم التصدير بما فيه تعظيم الوزير وتقريظه من غير ضابط في الابتداء ،