أبو سعد بن أبي علي كاتب بغدادي ( ابن الموصلايا )
391
رسائل أمين الدولة ابن الموصلايا
ولفظه ، ومسارعا نحو ما يجب من اطراح الهوى في فرض أحدهم ورفضه ، وأن يقضي بالحق في كل ما يدّعون ، ويعرض عمّا يميلون إليه في مباينة الصّحة ويدعون ، وإن كان فيهم من هو ألسن وبحجته ألحن ، وأضحى خصمه واقفا دون مداه ، وناكلا عن الوصول في قوة الجانبين إلى ما نالته يداه اعتمد التثبت فيما فصل الحكم وبتّه ، ولم يكن فيه عجلة ( 156 ب ) في القطع بأول الأمر البتة ، إلّا بعد أن يعمل فكره ، ويتبع بعوان التأمل بكره ، لتصحّ له محجّة العدل في أحد الجانبين فيقصدها وتفتضح شواهد الجور عنده فيخضدها ، غير مفضّل لمن جلّ منهم على من قلّ ، ولا مقصّر بمن عجز عن النّهوض بعبء الكلام عمن استقل ، ليكون الحق للقويّ والضعيف جامعا ، ونور الإنصاف في جهة الزمان ساطعا لامعا ، ولا يتميز في الحكم بصير عن عميّ ولا يتأخر في العدل فقير عن غني ، قال الله تعالى : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [ 1 ] . وأمره إذا ترافع إليه خصمان ، وتنازع لديه نفسان أن يطلب فصل ما بينهما في نصّ الكتاب ، ومحكم التنزيل ، ودلائل الشّريعة المضمونة عن التّغيير والتبديل ، فإن وجده قضى به وحكم ، وقطع مادّة التّجاذب وحسم ( 157 أ ) وإن عدمه عاد إلى سنّة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فاحتمى بما تدل عليه من الزّلل ، واحتذى مثالها القويم في القول والعمل ، وإن لم يلقه في الآثار الصحيحة المروية ، والأخبار الواضحة الجلية ، تتبّعه في إجماع الأمة الذي طال ما نجح من ابتغاه وأمّه ، فإن لم يره [ 2 ] أيضا هناك ، ولم يبد له ما رام من ذاك ؛ اجتهد رأيه وأعمله فمن اتّبع الكتاب أصاب ، ومن اقتفى السّنّة أقرّ الحق في النصاب ، ومن وافق الإجماع أمن من خوف الضّلال ، ومن اجهد نفسه أعذر في حاضر الحال ، والله تعالى يقول الحقّ وهو يهدي السبيل [ 3 ] .
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 102 . ( 2 ) سورة النساء : 103 . ( 3 ) سورة فصلت : 41 و 42 . ( 4 ) سورة الحشر : 7 . ( 5 ) سورة آل عمران : 159 .