المقريزي

88

رسائل المقريزي

وكلما ذكر تعالى في آياته جملة من الجمل قال عقبها : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ * ، فأبان سبحانه وتعالى بذلك أن المشركين إنما كانوا يتوقفون في إثبات « 1 » توحيد الإلهية لا الربوبية على أن منهم من أشرك في ربوبيته « 2 » كما يأتي بعد ذلك إن شاء الله تعالى . وبالجملة فهو تعالى يحتج على منكري الإلهية بإثباتهم الربوبية ، والملك هو الآمر الناهى الذي لا يخلق خلقا بمقتضى ربوبيته ويتركهم سدى معطلين لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون فإن الملك هو الآمر الناهى المعطى المانع الضار النافع المثيب المعاقب ؛ ولذلك جاءت الاستعاذة « 3 » في سورة الناس وسورة الفلق بالأسماء الحسنى الثلاثة : الرب والملك والإله ، فإنه لما قال : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ « 4 » كان فيه إثبات أنه خالقهم وفاطرهم ، فبقى أن يقال : لما خلقهم هل كلفهم وأمرهم ونهاهم ؟ قيل : نعم ، فجاء مَلِكِ النَّاسِ فأثبت الخلق والأمر أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ « 5 » ، فلما قيل ذلك قيل : فإذا كان ربا موجدا وملكا مكلّفا ، فهل يحب ويرغب إليه ويكون التوجه إليه غاية الخلق والأمر ؟ قيل : إِلهِ النَّاسِ أي مألوههم ومحبوبهم الذي لا يتوجه العبد المخلوق المكلف العابد إلا له ، فجاءت الإلهية خاتمة وغاية ، وما قبلها كالتوطئة لها ، وهاتان السورتان أعظم عوذة « 6 » في القرآن ، وجاءت الاستعاذة بهما وقت الحاجة إلى ذلك ، وهو حين سحر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وخيّل له أنه يفعل

--> ( 1 ) في الأصل : فإثبات . ( 2 ) وهم طائفة قليلة منهم ، قال الشهرستاني : « وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام ، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا ، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم » الملل والنحل ( 2 / 1232 ) . ( 3 ) الاستعاذة : هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر ، والعياذة تكون لدفع الشر قاله ابن كثير ، وحقيقتها : الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه ، ولهذا يسمى المستعاذ به معاذا وملجأ ، فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه ، وفر إليه ، وألقى نفسه بين يديه واعتصم به ، واستجاره ، والتجأ إليه ، قاله ابن القيم . انظر : تفسير ابن كثير ( 1 / 15 ) ، التفسير القيم ( ص 539 ) لابن القيم ، تيسير العزيز الحميد ( ص 209 ) لسليمان بن عبد الله . ( 4 ) سورة الناس : 1 . ( 5 ) سورة الأعراف : 54 . ( 6 ) أي أعظم ما يستعاذ به .