المقريزي

70

رسائل المقريزي

رجلا شمّت « 1 » المنصور عند العطسة ، فلما اشتكى ذلك إلى المنصور قال : أصاب الرجل السنة وأخطأ الأدب . فأين قول أبى جعفر من حديث النبوة الناطقة والإمامة الصادقة ؟ ! والله ما الأدب كله إلا في السنة النبوية ، فإنها هي الجامعة للأدب النبوي والأمر الإلهى ، لكنه غلب على القوم الجبروت ، ودخلت النفرة في أنوفهم ، وظهر الخسران بينهم فسموا موائد العجم أدبا وقدموها على السنة التي هي ثمرة النبوة فزادهم ذلك جفاء وقسوة ، حتى أن أبا جعفر كان بايع محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن « 2 » علي بن أبي طالب ليلة تشاور بني هاشم فيمن يعقدون له الإمامة ، وذلك حين اضطربت بنو أمية ، فلما أقيم أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح في الخلافة وعهد بها عند وفاته لأخيه أبى جعفر عبد الله بن محمد المنصور وقام من بعده بالأمر ، أهمه أمر محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم ، وألح على أبيهما عبد الله بن الحسن أن يحضرهما إليه لما حج ، وكان قد شردهما خوف جوره ، ثم حبس عبد الله وعدّه من بنى حسن ومعهم محمد الديباج « 3 » ابن عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان ، وهو أخوهم لأمهم فاطمة بنت أبي عبد الله الحسين ابن علي بن أبي طالب ، وجعل القيود والأغلال في أرجلهم ، وأركبهم محامل « 4 » بغير وطاء ، وسار بهم كذلك من المدينة النبوية وطنهم ووطن آبائهم حتى قدموا عليه وهو بالربذة « 5 » ، فأمر بالديباج فانشقت عنه ثيابه وضرب خمسين ومائة سوط ،

--> ( 1 ) شمت العاطس : أي دعا له بالخير ، وهو أن يقول له : يرحمك الله . المعجم الوجيز ( ص 350 ) . ( 2 ) من آل بيت ، قتله حميد بن قحطبة في عهد أبى جعفر المنصور وكان مقتله عند أحجار الزيت يوم الاثنين بعد العصر ، لأربع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة خمس وأربعين ومائة ، وجيء برأسه إلى المنصور ووضعت بين يديه وطيف به في طبق أبيض ، ثم طيف به في سائر الأقاليم بعد ذلك . انظر تفصيل مقتل محمد وإبراهيم ابني الحسن في البداية والنهاية ( 10 / 90 - 95 ) صو تاريخ الخلفاء ( ص 301 ) . ( 3 ) أبو عبد الله المدني المعروف بالديباج ، سمى بذلك لحسن وجهه ، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي ، روى الحديث عن أبيه وأمه وخارجة بن زيد ، وطاوس والزهري ، وغيرهم ، وحدث عنه جماعة ، وثقه النسائي وابن حبان ، وكان أخا عبد الله بن الحسن لأمه وكانت ابنته رقية زوجة إبراهيم بن عبد الله ، وكانت من أحسن النساء ، وقتله أبو جعفر المنصور سنة ثلاث وأربعين ومائة . البداية والنهاية ( 10 / 85 ) . ( 4 ) جمع محمل : وهو الهودج . ( 5 ) مكان قرب المدينة المنورة ، وفيها مدفن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه . القاموس ( 2 / 286 ) .