المقريزي
67
رسائل المقريزي
فقال ، سله عن حاله عندي ولم أكرمه ، فسأله فقال : كنت قهرمانا « 1 » له ناصحا ، فقال أبو مسلم : أبيت إلا كرما ، فقال : يا ابن الخنا « 2 » أردت أن أقول : إنك كنت لي خادما فتقتلني ، فبالله أسلكك لو لم أقلب المعنى ما كنت فاعلا ، قال : قد واللّه كنت قدرت موضع خشيتك ، قال : أكان هذا جزائي ، قال : ومن جازيناه بجزائه وضعت سيفي فلم يبق بر ولا فاجر إلا قتلته . ومثل هذا كثير وما زال يسعى جهده حتى أزال بنى أمية ، وأقيم عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس الملقب بالسفاح « 3 » فبعث عمه عبد اللّه بن علي « 4 » لقتال مروان بن محمد ، فقتله وبطش في أهل الشام بطش الجبارين ، وصارت من الجور سيرة لم يسرها أحد قبله ؛ وذلك أنه لما عزم مروان بالزاب وغلب على بلاد الشام ، وقتل أهل دمشق وهدم سورها وسار إلى فلسطين نادى وهو على نهر فطرس في بنى أمية بالأمان واجتمعوا إليه فعجلت الخراسانية إليهم بالعمد فقتلوهم ، وقتل عبد اللّه جماعة منهم ومن أتباعهم ، وأمر بنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فما وجد منه إلا خطا ، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجد منه سلاميات « 5 » رجله ، ووجد من عبد الملك بعض شؤون رأسه ، ولم يوجد من الوليد وسليمان بنى عبد الملك إلا رفات ، ووجد هشاما صحيحا إلا شيئا من أنفه وشيئا من صدغه « 6 » ، فضرب عدة سياط « 7 » وصلب ،
--> ( 1 ) القهرمان : لقب كان يلقب به أمين الملك ووكيله الخاص بتدبير دخله وخرجه ( المعجم الوجيز ص 518 ) . ( 2 ) الخنا : الفحش في الكلام ، وخنا فلان : أفحش في منطقه ، والخنوة : الغدرة ( القاموس 2 / 123 ، الوجيز ص 214 ) . ( 3 ) أول خلفاء بنى العباس ولد سنة ثمان ومائة بالحميمة من ناحية البلقاء ونشأ بها ، وتوفى سنة 136 ه لثلاث عشرة مضت من ذي الحجة ، وكان له يوم مات 63 سنة ، وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن توفى أربع سنين ، ومن لدن بويع له بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر . انظر ترجمته في الكامل ( 5 / 99 ) لابن الأثير ، تاريخ الخلفاء ( ص 295 ) ، البداية والنهاية ( 10 / 60 - 63 ) ، الأعلام ( 6 / 220 ) للزركلي . ( 4 ) ذكر ذلك مفصلا الحافظ ابن كثير في البداية ( 10 / 46 ، 47 ) في صفة مقتل مروان . ( 5 ) السلاميات : عظام الأصابع ، واحدها سلامي . ( مختار الصحاح ص 155 ) . ( 6 ) الصّدغ : ما بين العين والأذن والشعر المتدلى على هذا الموضع ، والجمع : أصداغ . القاموس ( 2 / 806 ) . ( 7 ) قال ابن كثير بعد أن ذكر ما تقدم ( 10 / 47 ) : وصلبه أياما ، ثم أحرقه ودق رماده وذره في الريح ، وعلة ضربه أن هشاما كان قد ضرب أخاه محمد بن علي ، حين كان قد اتهم بقتل ولد له صغير سبعمائة سوط ، ثم نفاه إلى الحميمة بالبقاء ، ثم تتبع عبد الله بن علي بنى أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فقتل منهم في يوم واحد اثنين وتسعين ألفا عند نهر الرملة ، وبسط عليهم الأنطاع ومد عليهم سماطا ( فرشا ) فأكل وهم يختلجون تحته . وهذا من الجبروت والظلم الذي يجازيه الله عليه .