المقريزي

62

رسائل المقريزي

ابن عمر : إن الله - عز وجل - خيّر نبيه صلى اللّه عليه وسلّم بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا وإنك بضعة من رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ، والله لا يليها أحد منكم وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم فارجع ، فأبى الحسين ، وقال : هذه كتبهم وبيعتهم فاعتنقه عبد الله بن عمر وقال : أستودعك الله من قتيل فكان كما قال ابن عمر « 1 » ، وكذلك قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما للحسين : والله يا ابن أخي ما كان الله ليجمع لكم بين النبوة والخلافة « 2 » ، وهذا من فقههما ، وقد أشار الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى ذلك في خطبته لما ترك الخلافة التي صارت إليه بعد أبيه وتنزه عنها وترفّع عن منازعة معاوية رضي الله عنه ، فلما دخل معاوية الكوفة أشار عليه عمرو بن العاص أن يأمر الحسين فيخطب الناس ظنا منه أنه يعى ، فخطب معاوية ثم أشار إلى الحسن أن يخطب فقام وحمد الله ، ثم قال : أيها الناس إن الله هداكم بأولنا ، وحقن دماءكم بآخرنا ، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول وإن الله عز وجل قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلّم : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ « 3 » . فلما قالها ، قال معاوية : اجلس ونقدها على عمرو وقال هذا من رأيك « 4 » فصدق الحسن رضي الله عنه فيما قال . [ فصل : في بيان السر في خروج الخلافة بعد رسول الله ص عن علي بن أبي طالب ع إلى أبى بكر وعمر ثم عثمان ] ( فصل : ) ذهب بعضهم إلى أن السر في خروج الخلافة بعد رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم عن علي بن أبي طالب إلى أبى بكر وعمر ثم عثمان ، أن عليا لما ولىّ الخلافة حينئذ - وهو أبو الحسين - لأوشك أن يقول قائل ، ويتخيل متخيل ، أنه ملك متوارث لا يكون إلا في آل البيت كما يزعمه الرافضة « 5 » ، فصان الله العقائد من هذه الشبهة كما صانها من شبهة قول القائل عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم هو رجل يطلب ملك أبيه وهو معنى

--> ( 1 ) ذكره ابن كثير في « البداية والنهاية » ( 8 / 164 ) . ( 2 ) ومما قال له ابن عباس : « إنهم دعوك للفتنة والقتال ، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس ، ويقلبوا قلوبهم عليك ، فيكون الذين دعوك أشد الناس عليك . . . » ذكره الطبري في تاريخه ( 6 / 216 ، 217 ) ، البداية والنهاية ( 8 / 162 ) . ( 3 ) الأنبياء : 111 . ( 4 ) ذكره ابن كثير في « البداية والنهاية » ( 8 / 19 ) . ( 5 ) من فرق الشيعة رئيسهم عبد الله بن سبأ ، لهم مقالات فاسدة كثيرة ، منها : دعوى أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم نصّ لعلى بالخلافة ، وأن الخلفاء قبله انتزعوها منه ، وأن كل إمام من أهل البيت يوصى لمن بعده بالخلافة ، ومن مقالتهم : القول بالعصمة والرجعة وعلم الغيب وغير ذلك قبحهم الله . انظر : الملل والنحل ( 1 / 57 ) للشهرستاني ، الفرق للبغدادي ( ص 21 ) .